مَن وراء محاولة إيذائي في مكان عملي؟

كنتُ أحبّ عملي كنادلة رغم أوقات العمل الشاقّة والأجر المتدنّي. أنا وزملائي كنّا ننتظر لحظة تقاسم الإكراميّات لكي نستطيع فعل ما تطلبه أنفسنا وغالباً ما كنّا نذهب كلّنا إلى مقهى ليلي نرقص ونغنّي الكاراوكي. همّي الوحيد آنذاك، كان جمع تكاليف دراستي الجامعيّة وشراء سيّارة بدل أن أذهب إلى الكليّة مع زميلاتي أو في سيّارة الأجرة. ولكن كان ثمنها غالي، فوعدتُ نفسي، أن أشتري أجمل سيارة في العالم عندما أصبح مصمّمة ديكور مشهورة. ولكن في هذه الأثناء بقيتُ أعمل في ذلك المطعم وأنتظر كل ليلة نهاية الدوام لأركض إلى البيت لأدرس.

ما لم أكن على علم به، هو أنّ جهاد المسؤول عنّي، كان معجباً بي كثيراً ولكنّه لم يفصح لي عن مشاعره، ربما لأنّه كان قبيحاً جداً ويكبرني بعشرين سنة على الأقل، ناهيك عن معاملته السيّئة للعاملين في المطعم. لم يكن محبوباً من أحد وخاصة منّي، لأنني لم أكن أقبل إسائاته لي ولغيري. ولأنني كنتُ بحاجة إلى هذا العمل، كنتُ أكتفي بإلقاء نظرات غضب بإتجاهه دون أن أقول شيئاً.

أمر آخر كان يزعجني وهو إختفاء أغراض لي من الخزانة الخاصة بي. في البدء ظننتُ أنني أنسى أمتعتي في البيت ولكن سرعان ما أدركتُ أنّ أحداً ما كان يأخذها، بالرغم من عدم وجود أثر للخلع، ما يشير إلى أنّ السارق يستعمل مفتاحاً. لم أشكّ بأحد معيّن لأنني أعلم أنّ زملائي أناس نزيهين وقررتُ مراقبة الخزانة عن قرب ولكن دون جدوى. والغريب في الأمر أن ما كان يؤخذ منّي كانت أشياء غير ثمينة وغير مهمّة كربطة شعر أو قلم كحل أو مشط وهذا لم يكن كافياً لإثارة ضجّة حول الموضوع.

في هذه الأثناء تعرّفتُ إلى كميل شاب جامعي مثلي، إلتقيتُ به عندما أتى لرؤية صديقه في كليّتي وبعد أن تبادلنا النظرات في الكافيتيريا، نهض من كرسيّه وجاء إليّ ليعرفّ عن نفسه. أحببنا بعضنا خلال دقائق ومنذ ذلك النهار أصبحنا سويّاً. ومن البديهي أن أدعو كميل لزيارتي في المطعم، ليرى أين وكيف أعمل. فقبِلَ بسرور. عندما وصل، عرّفته على الجميع بِمَن فيهم جهاد الذي أبدى إستياءه للأمر ووبخنّي قائلاً:

- هذا مكان عمل وليس ملتقى للعشّاق!

- أعرف هذا سيّد جهاد ولكنّه زبون في المطعم أيضاً... على كل حال لا أتوقّع منك أن تستوعب الموضوع، لأنّك حتماً لم تحبّ يوماً...

غضِبَ جداً من تلك الملاحظة وإمتلك نفسه لكي لا يجاوبني وإكتفى بالذهاب إلى المطبخ. ضحِكَ الجميع وهنأوني على جرأتي وإنتهى الموضوع. على الأقل هذا ما إعتقدته حينها.

ولكن الظاهر أن جهاد لم يتقبّل وجود أحد في حياتي، خاصة شاب وسيم ككميل ولم يستوعب أنني وقفتُ بوجهه أمام باقي الموظّفين. وعندما إنتهى كميل من تناول العشاء، رافقتُه إلى الموقف حيث كان يركن سيّارته وتفاجأنا بأنّ إثنين من الإطارات الأربعة كانت مثقوبة. ومن الواضح أنّها لم تكن هذه صدفة أبداً وعلِمنا فوراً مَن وراء هذا العمل الشنيع. قرّر حبيبي العودة إلى الداخل لتصفية حسابه مع جهاد ولكنني منعتُه من ذلك:

- لا حبيبي... مَن يفعل هذا يمكنه فعل أشياء أخرى أكثر إذيَة... سأجد حلاًّ على طريقتي...

- ولكن هذا الرجل خطير جدّاً! دعيني ألقّنه درساً لن ينساه!

- إرحل من هنا الآن... سأهتم بالأمر.

وعدتُ إلى المطعم وإنتظرتُ أن يذهب آخر زبون لأواجه جهاد بما فعله:

- إسمعني جيدّاً... أعرف أنّك من يسرق أمتعتي من الخزانة، فلا أحد سواك يملك مفتاحاً يفتح كل الأقفال وأعلم أنّكَ ثقبت إطارات سيارة صديقي الليلة. وسأستدعي الشرطة لكي يوقفوك على حدّك!

- لا أدري عمّا تتكلمين... إنّكِ تتخيلين أشياء... لا تقحيميني بجنونكِ... لماذا أسرق اشياء منكِ ولماذا أخرّب إطارات هذا الشاب؟

وإحمرّ وجهه عند قوله هذا.

- لا أدري... ربما لأنّك إنسان شرير أو... آه... الآن فهمتُ! أنت مغروم بي! ولسبب لا أريد معرفته، تسرق أغراضي لتبقيها بقربكَ وغيرتَكَ حملتكَ لأذيّة كميل! سأطلب البوليس!

ونفّذتُ وعدي وجاء تحرّي وإستجوب جهاد وفتّش المكان وما وجده جمّد الدم في عروق جميع الموظفين: كان جهاد قد وضع كاميرات مراقبة في الغرفة التي توجَد فيها الخزائن والتي كنّا نبدّل فيها ملابسنا. فعلَ ذلك ليتمتّع برؤيتنا ونحن من دون ثياب! ولكن جرمه هذا، برّأه من تهمة السرقة والتخريب لأنّ الشرطة وبفضل هذه الكاميرات رأت أنّ زميلة لي كانت الفاعل الحقيقي. لكثرة غيرتها منّي، كانت تأخذ مفاتيح جهاد وتفتح خزانتي لِتسرق أمتعتي لكي تصبح مثلي. وعندما رأت كميل في المطعم، لم تتحمّل الوضع وثقبَت إطاراته بوحشيّة. لم أتوقع أبداً حدوث هذا ولم أفهم كيف يستطيع شخص أذية آخر هكذا.

تم طبعاً طُرد الإثنين، كل واحد لسبب وبعد أن زالَت حالة الذهول عند جميع العاملين في المطعم، عاودنا كلّنا عملنا كالمعتاد بإستثناء أمر واحد: لقد أعطوني وظيفة جهاد للتعويض عما حصل وأيضاً بسبب عملي الدؤوب. الحياة مليئة بالمفاجآت فهناك غالباً جانب إيجابي لكل حدث مهما كان سيّئاً.

حاورتها بولا جهشان    

المزيد
back to top button