في مجموعته الأخيرة، يفتح المصمم اللبناني سعيد قبيسي Saiid Kobeisy نافذة على Bahia، الولاية البرازيليّة التي تتميّز بثقافتها البصرية الغنيّة وطبيعتها الاستوائيّة وتراثها المتعدّد وطاقة لا تخطئها العين. وقد انتقلت روح هذا المكان إلى المجموعة عبر الطبعات والألوان والخامات والحركة، بعدسة سيلفستر رحمة، لتمنح التصاميم إحساسًا مستوحى من عالم بعيد جغرافيًّا، لكنّه قريب في تفاصيله ومزاجه.
أمّا جوزيف حنّا Joseph Hanna، المدير الإبداعي والمخرج الذي تولّى صياغة الحملة، فلم ينظر إلى باهيا كوجهة على الخريطة فحسب، بل توقّف أيضًا عند وقع اسمها وما تحمله من هوية قد تبدو مألوفة بشكل لافت في العالم العربي.
ومن هنا وُلد السؤال الذي قاد المشروع بأكمله: "ماذا لو لم نسافر نحن إلى Bahia، بل جاءت باهيا إلينا في لبنان؟"... كان هذا السؤال نقطة الانطلاق لحملة "Bahia Somewhere Else"، التي تعيد تخيّل العلاقة بين المكان والثقافة والهوية بطريقة مختلفة.
Sylvester Rahme©
حين تصل ثقافة إلى عالم جديد
لم يختر حنّا إعادة تقديم البرازيل كما هي، بل ابتكر واقعًا متَخيَّلًا تنتقل فيه Bahia إلى البيئة اللبنانيّة وتبدأ بالتفاعل مع تفاصيلها اليوميّة. وهنا تلتقي ثقافتان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكنّهما تشتركان في الدفء والعفويّة والغنى البصريّ وروح الجماعة والعلاقة القويّة بالحياة اليوميّة. في مشاهد الحملة، تتحوّل الكراسي اللبنانيّة والخامات المحليّة وبسطات الفاكهة والمزارع والأغراض المصنوعة يدويًّا والتفاصيل المعماريّة المألوفة إلى جزء من عالم المجموعة، رغم أنّ مصدر إلهامها يأتي من مكان آخر تمامًا. الفكرة ليست تقليد ثقافة بأخرى، بل السماح لهما بأن تتواجدا داخل الإطار نفسه بصورة طبيعيّة، مع الحفاظ على خصوصيّة كلّ منهما وهويّتها المستقلة.
Sylvester Rahme©
عندما تنعكس الرحلة
التبادل الثقافي هو المحور الذي تدور حوله الحملة. وبدلًا من الصورة المعتادة التي يسافر فيها العرب إلى أماكن بعيدة لاكتشاف ثقافات مختلفة، قرّر حنّا قلب المعادلة. وعن ذلك يقول: "نحن كعرب نسافر باستمرار لاكتشاف ثقافات أخرى. أردت أن أعكس هذا المنظور. لماذا لا تأتي ثقافة أخرى إلينا، وتدخل عالمنا، وتختبر شوارعنا وتقاليدنا ولغتنا البصرية؟"
هذه الفكرة لا تظهر في الحملة كمفهوم عابر، بل تشكّل أساس سردها البصري، كما تمنح عنوان "Bahia Somewhere Else" معنى أوسع. Bahia ليست هنا مجرّد موقع جغرافيّ محدَّد، بل تصبح حالًا ذهنيّة وثقافة يمكنها أن تسافر وتتأقلم وتجد ما يشبهها في مكان لم يكن متوقّعًا أن تصل إليه.
Sylvester Rahme©
لقطة واحدة تجمع عالمين
اختير للحملة أسلوب بصريّ يقوم بالكامل على لقطة واحدة متواصلة، بحيث ينتقل المُشاهِد من بيئة إلى أخرى بسلاسة ومن دون أي انقطاع. وبدلاً من عرض المجموعة ضمن صور منفصلة أو مشاهد أزياء مستقلّة، تتحرّك الكاميرا داخل عالم واحد يتغيّر تدريجيًّا، وكأنّ المُشاهد يكتشف Bahia من خلال لبنان لحظة بلحظة. ويأتي أسلوب اللقطة الواحدة ليعزّز الفكرة الأساسيّة للحملة: الاتّصال بين الثقافات. فكّل موقع وكلّ حركة وكلّ عارضة، ينتمي إلى العالم نفسه، من دون وجود حدود بصريّة واضحة تفصل هويّة عن أخرى.
Sylvester Rahme©
التوائم... لغة أخرى للهوية
أدّى اختيار العارضات دورًا أساسيًّا في ترجمة مفهوم الحملة بصريًّا، ويظهر فيها ثلاثة أزواج من التوائم، لكلٍّ هويّة بصريّة مختلفة: توائم مستوحاة من العالم العربيّ، وتوائم ذات طابع تحريريّ عالمي، إلى جانب توائم أفريقيّة. ويضيف هذا الحضور المتكرّر للتوائم إحساسًا بالازدواجيّة يرافق الفيلم بأكمله. لكن وجودهنّ لا يقتصر على الجانب البصريّ أو على اختيار العارضات، إذ يتحوّل التوأم إلى استعارة للهويّات المتوازية؛ لأشخاص قد يجمع بينهم رابط واضح، لكن لكلّ منهم طريقته الخاصة في التعبير عن نفسه. ومن هذا المنظور، يصبح التوائم انعكاسًا للعلاقة بين Bahia ولبنان: مكانان متباعدان يمكنهما أن يتشاركا أصداء بصريّة وثقافيّة من دون أن يفقد أي منهما هويته أو يتحوّل إلى نسخة عن الآخر.

Sylvester Rahme©
حين لا تعود الموضة مرتبطة بمكان واحد
تستمر فكرة التشابه والاختلاف في مختلف تفاصيل المشروع، انطلاقًا من حقيقة أنّ الموضة والثقافة والهوية لا تبقى ثابتة في مكان واحد. فهي تنتقل من بلد إلى آخر، وتُستعار وتتحول، ثم يعاد تفسيرها وتكتسب معاني جديدة بحسب البيئة التي تصل إليها. ومن هنا تتجاوز "Bahia Somewhere Else" فكرة الوجهة السياحيّة لتصبح مساحة متخيَّلة تلتقي فيها الثقافات من دون حدود. مساحة يمكن فيها للمراجِع البرازيليّة أن تعيش داخل مشهد لبنانيّ، وللغة البصريّة العربيّة أن تتفاعل مع عالم الموضة العالميّة، وللهويّة أن تتحرّر من ارتباطها بجغرافيا واحدة.
والنتيجة حملة تقوم على الحركة والتباين والتعايش، وتقدّم عالمًا يبدو محليًّا وعالميًّا في الوقت نفسه، ومألوفًا وغير متوقَّع، وقريبًا وبعيدًا في آن واحد. في "Bahia Somewhere Else"، لا تبقى باهيا محصورة داخل حدود البرازيل، بل تصبح موجودة في أي مكان تجد فيه روحها مساحة جديدة للحياة.
Sylvester Rahme©
------------------------------
الإدارة الإبداعية والإخراج: Joseph Hanna
تصوير: Sylvester Rahme