الثقافة تقاوم في لبنان

تستفيق عاصمة لبنان الشمالي من كابوسها الأحمر على النسخة الأولى والجريئة من المهرجان الدولي للسينما في طرابلس. برمجة غنيّة من حوض المتوسط ومن آسيا، تحت عنوان "الثقافة تُقاوم". لقاء مع المخرجة جوسلين صعب التي منها انطلقت الفكرة.

 

لماذا هذا المهرجان؟

لكي نردّ للناس مفهوم السيادة الثقافية. إن فكرة إنشاء مهرجان طرابلس جاءتنا من المدينة ذاتها. لكن، وبسبب العنف الدائر فيها، تراجع البعض، بينما بقينا نحن، فنانون، كتاب، شعراء، تقنيون وإداريون في الثقافة، رافضين التخلّي عن المشروع.

 

لماذا طرابلس؟

إنها مدينة عمرها 3000 سنة. مدينة تحتفظ بفرادتها وأصالتها أكثر من بيروت التي دمّرتها الحروب. إنها شام مصغّرة، خاصة في المجال الثقافي. إعادة تسليط الضوء على الهوية الثقافية لهذه المدينة كان الحافز الأساسي لاختيارنا طرابلس.

 

ماذا يعني أن نقاوم ثقافياً؟

يعني أن نرفض الخضوع والخنوع لمنطق المال، ولمنطق القوة والتسلط والحرب. أن نقاوم ثقافياً يعني أن نرفض نظام الأبارتايد الذي يريدون فرضه علينا بهدف أن يصبح كل فرد منا منفصلاً عن الآخر، غريباً عنه. يعني ذلك أن ينفتح على الآخر، أن نعي أن الرجال والنساء يولدون متساوين وأن لهم ذات الحقوق. يعني أن نفهم أننا لا نستطيع أن نبني بلداً عندما نبني جدراناً بل عندما نستثمر في الثقافة التي تعمل على بناء الفكر.

 

أن نقاوم، لكن من نقاوم؟

أن نقاوم السياسيين والمسؤولين الذين يعملون على بناء أمجاد من إسمنت بدل العمل على الفكر والعقل والفن، هم الذين لا يعطون للثقافة إلا الوزارة الثانوية. الثقافة هي من ينتشل شعباً ما من محنته عندما تتفنن في إلقاء أضواء أخرى على ما حدث، مستعينة بالفكر والتحليل والتأمل.

 

ما هو دور السينما هنا؟

إنها تلملم وتعمّر ما بعثرته ودمّرته الحرب. تعيد السينما تركيب نثرات الذاكرة بعضها مع بعض عندما تغوص في ما مضى وتدعونا للتأمل فيه. تستطيع السينما أن تعمل الكثير شرط أن يكون تمويلها صحياً وصحيحاً، كما هي الحال مع بعض الجهات العربية المموّلة التي تساعد دون أن تفسد. أفكر وأنا أقول هذا بالسيد العدلي، صاحب المصارف الشهير في مصر والذي له الفضل الكبير على السينما العربية في عصرها الذهبي. لا يسعني هنا أيضاً سوى أن أنوّه أيضاً بالسيدة آسيا داغر، رائدة السينما في مصر والتي أتت إلى بلاد النيل من قرية تنورين في شمال لبنان، وكان المصريون يسمّونها "أم السينما". كانت رائدة في مجال الإنتاج الفني إذ أنها كانت أول من أقنع العدلي بالمساهمة مالياً في سينما حرّة متحرّرة من السلطة السياسية. إن تحرّكت مؤسساتنا واستفاقت من سباتها ودعمت السينما، يكون باستطاعة الفن السابع أن يبقي بلداننا على قيد الحياة، إذ لا حياة دون إبداع. بدل أن نتقوقع في تابوهاتنا، تستطيع السينما أن تجعل منا منطقة تشعّ نوراً نصدّره للعالم، كما صدّرنا الأبجديّة يوماً ما.

 
المزيد
back to top button