نسيجُ الذكريات

يكشف الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية الدولي للفنون عن معرض "وَشْوَشة"، وهو معرض جماعي مُلهم يتتبّع التاريخ الصوتي لدولة الإمارات العربية المتحدة وتقاليدها وذكرياتها من خلال عيون ستة فنّانين. تكشف ELLE Arabia عن الرؤية الفنّية والأفكار والإلهامات الكامنة وراء المعرض.

 

تصبح رواية القصص لا تُنسى عندما تُلامس جميع الحواس، مُثيرةً شعوراً بالحنين إلى الانتماء، والهوية، والذكريات. في الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في بينالي البندقية ٢٠٢٦، هذا هو الشعور الذي يدعو المشاهدين لتجربة الاستماع الجماعي ورواية القصص الشفوية من خلال وسائط متعدّدة، استجابةً لموضوع "في مقاماتٍ صغيرة". يُعدّ هذا المعرض، الذي قامت بتنظيمه بانا قطان، الرئيسة المساعدة للمعارض في مشروع غوغنهايم أبو ظبي، إلى جانب مساعدة أمينة المعرض تالا نصّار، تتويجاً لأكثر من عام ونصف من البحث الفنّي والتنظيمي المتفاني.

بينما يُجسّد كلّ فنّان موضوع المعرض، يكشف عن رؤى تشكّلت من خلال العلاقات، وذكريات الطفولة، والهجرة، والتاريخ الشفهي. تدعو أعمالهم المشاهدين لاكتشاف ما تعنيه الإمارات العربية المتحدة لكلّ من سعى إلى استكشاف طبقات تاريخها من خلال لحظات معيشية وتجارب مشتركة، ناقلين هذه القصص إلى البندقية من خلال منظور شخصي عميق.

نتحدّث مع القيّمة الفنّية بانا قطان، ونستكشف أعمال الفنّانات الإماراتيات لمياء قرقاش، وآلاء إدريس، وميس البيك، وفرح القاسمي، اللواتي تُخاطب أعمالهنّ الحواس من خلال الصوت، واللغة، والذاكرة. يستمرّ المعرض في البندقية حتى نوفمبر من هذا العام، ويرحّب بالزوّار ليصبحوا جزءاً من قصة متواصلة لا تُنسى وعميقة التأمّل.

 

بانا قطان

قيّمة فنّية ونائبة رئيس قسم المعارض في مشروع غوغنهايم أبو ظبي

حدّثينا عن تجربتك في تنظيم معرض "وَشْوَشة"، وجمع الفنّانين الذين قادوا هذا المشروع بتأمّلاتهم الشخصية؟

لقد كانت هذه فرصة لجمع فنّانين تتفاعل أعمالهم مع الصوت، والذاكرة، واللغة، والتكنولوجيا، والحركة بطرقٍ مختلفة ولكنّها مؤثّرة. يقدّم كلّ منهم منظوراً مميّزاً، ويشكّلون معاً حواراً يعكس عمق وتنوّع الممارسات الفنّية المرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة. على الرغم من أنّ الدعوة الأولية للفنّانين للمشاركة في المعرض كانت مفتوحة، إلا أنّ الاستجابات التي ظهرت كانت شخصية للغاية، تشكّلت بفعل حساسية فردية، ولكنّها متجذّرة في أشكال مشتركة من الخبرة. لم يكن ما حدث توجيهاً موضوعياً مفروضاً من أعلى، بل تراكماً لإيماءات حدسية أصبح فيها الجانب الشخصي مدخلاً إلى العمل الجماعي. مجتمعة، تقاوم هذه المساهمات أي سرد ​​أو تعريف أحادي لمصطلح "وَشْوَشة". فبدلاً من تمثيل المصطلح، تُفعّله الأعمال، مستكشفةً ما يمكن أن تكون عليه "وَشْوَشة" أو ما تفعله.

 

في البحث الذي أجريتِه، هل هناك أي عناصر لفتت انتباهك شخصياً؟ 

كانت نقطة البداية هي كلمة "وَشْوَشة" نفسها: كلمة صوتية واحدة تعني "الهمس" في اللغة العربية. بدلاً من عناوين المعارض المعقّدة والأطر التفسيرية، يصرّ معرض "وَشْوَشة" على البساطة. يكمن معناه في الصوت نفسه: هادئ، موحٍ، ومنفتح. وقد فتح هذا آفاقاً جديدة للتفكير في الصوت كأداة نقدية، قادرة على طرح تساؤلات حول الهجرة، والتكنولوجيا، والتاريخ الشفوي، والتجسيد. وكشفت عملية البحث كيف يمكن لشيءٍ دقيق كالهمس أن يحمل معاني معقّدة ومتشعّبة.

 

ما هو دور الهوية الإماراتية في إبراز المشهد الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا سيما وأنّ الدولة تضمّ عدداً كبيراً من الوافدين؟ 

يعكس اختيار الفنّانين التنوّع الديموغرافي والثقافي لدولة الإمارات، جامعاً فنّانين تربطهم صلات وثيقة بالبلاد. يتمتّع فريق التنسيق الفنّي والفنّانون الست جميعاً بروابط متينة مع دولة الإمارات، سواءً من خلال الميلاد أو الإقامة الطويلة أو التعليم أو العمل المهني المستمرّ. وقد تطوّرت ممارساتهم الفنّية ضمن النظام الثقافي المتنامي لدولة الإمارات، أو جنباً إلى جنب معه، أو في حوارٍ معه. في الواقع، يمتدّ هذا الارتباط ليشمل المساهمين في المنشور أيضاً. يعكس الجناح مجتمعاً فنّياً متنوّعاً ومترابطاً في دولة الإمارات.

 

 

الفنّانون

آلاء إدريس

تتناول اللغة من منظورٍ يدعو المشاهد إلى تجاوز ما يسمعه، ويراه، ويفهمه. تقول: "رسالتي، إن كان لها معنى، فهو أن نتحمّل هذا الشعور بعدم الارتياح لفترة أطول من المعتاد، وأن نلاحظ ما يبدأ بالتغيّر حينها". من خلال عرضها لأعمالها بعنوان "وسواس"، تُجسّد آلاء مفهوم "الوشوشة" باللهجة الإماراتية العامية، التي تُعبّر عنها بعمق، حيث يُشير المصطلح إلى شعورٍ بالتداخل أو الارتباك. ثلاث منحوتات خشبية ذات عيون متحرّكة مطبوعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد تجذب المشاهد لقراءة لغتها، المنطوقة وغير المنطوقة، ضمن سياق تحوّل دولة الإمارات العربية المتحدة. تُمثّل هذه المنحوتات حالاتٍ مختلفة ـ الماضي والحاضر والمستقبل ـ لتُهيّئ سرداً للتأمّل في خضمّ الروتين، والضجيج، والشعور بعدم الارتياح.

"ينطلق منهجي في دراسة اللغة من عدم استقرارها. فأنا مهتمة كيف أنّ الكلمات لا تصف الثقافة فحسب، بل تُساهم بفعالية في بنائها وتشويهها. في أعمالي، غالباً ما تظهر اللغة في أشكال مجزّأة أو متكرّرة: عبارات تدور في حلقة مفرغة، أو تتناقض، أو تفقد وضوحها بمرور الوقت. وهذا يعكس كم أنّ المعنى ليس ثابتاً، بل يتشكّل بفعل السياق، والذاكرة، والضجّة".

"أنا لا أسعى إلى إيصال رسالة واحدة للمشاهدين. فالعمل الفنّي يدعوك إلى الانتباه لما يبدو مألوفاً ولكنّه غريب بعض الشيء. إن كان هناك ما يمكن استخلاصه، فهو إدراك مدى اعتمادنا على البنية، على البدايات، والوسط، والنهايات، على المعنى الواضح، وكيف يمكن لهذه البنية أن تنهار بسرعة. يعكس العمل التوتّر القائم بين حاجتنا إلى الفهم وحقيقة أنّه لا يمكن حلّ كلّ شيء".

 

 

فرح القاسمي

يُقدّم عملها الصوتي منظوراً طفولياً للمشاهدين، مُوفّراً تجربة فريدة تُلامس القلب. يحمل العمل عنوان "اللعنة"، وقد صُوّر في الإمارات العربية المتحدة، ويُروى من خلال دفتر ملاحظات، حيث تنبض فنون السرد بالحياة في كلّ مشهد. تُجسّد القصة عناصر تكشف عمق التاريخ الصوتي للإمارات، مثل نداء "الندبة" التقليدي لقبيلة الحبوس، الذي كان يُستخدم تاريخياً لتوحيد المجتمع. يخترق صمت الفيلم لحظات تُثير الحنين، مُظهرةً كيف تربط الأصوات، واللحظات، والتعبيرات بين الناس. من خلال هذا العمل الفنّي، تُصبح الطقوس، والثقافة، والحياة اليومية محور اهتمام الفنّانة، التي تتيح للمشاهدين فرصة للتأمّل في كيفية تأثير التواصل فينا على المستوى الفطري في السياقات التاريخية والمعاصرة.

 

 

ميس البيك

تستكشف قوّة اللغة المنطوقة، محوّلةً إياها إلى شكلٍ نحتي، داعيةً المشاهدين إلى استكشاف قوّة الكلمات، والتاريخ الشفهي، والهوية. يُضفي عملها، الذي يضمّ منحوتات زجاجية مصنوعة يدوياً، بعضها معلّق من السقف والبعض الآخر موضوع على قاعدة، روحاً على العبارات. يحمل العمل عنوان "كُوني كَي أَكونَ كَما أَقْوُل!" ويتعمّق في العلاقة بين اللغة والهوية. استوحت "البيك" عنوان عملها من قصيدة "قافية للقصائد" للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتُعدّ منحوتاتها الزجاجية مثالاً بارزاً على كيف أنّ الكلمات تحافظ على التاريخ. من خلال استكشاف الواقع مُعاش، والهجرة، والحركة، تُجسّد "البيك" جمال اللهجات المتنوّعة وروايات الهجرة، التي لامست روح كلّ مقيم أو زائر لدولة الإمارات العربية المتحدة.

 

 

لمياء قرقاش

تتخذ موقفاً تأمّلياً من خلال تركيزها على المجلس. فهي تجذب المشاهدين إلى حوارٍ حميم متجذّر في تقاليد البيوت الإماراتية، حيث اشتُقّت كلمة "مجلس" من الفعل العربي "جلس" ​​الذي يعني الجلوس. تقول: "ما دفعني للتعمّق في المشهد الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة هو فضولي الدائم تجاه التفاصيل الهادئة، التي غالباً ما نغفل عنها في الحياة اليومية". يقدّم عملها للمشاهدين لمحة عن عالم خاص، مكان يتواصل فيه الناس للاحتفال، والحزن، والاجتماع، وخلق ذكريات مع الأصدقاء والعائلة. وتضيف: "أنا معجبة بشدّة بكيفية تطوّر هذه المساحات عبر الزمن، وتفرّعها إلى أماكن رسمية وغير رسمية، بالإضافة إلى مساحات مخصّصة للرجال، أو النساء، أو الأطفال. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، يبقى جوهر الألفة والتواصل ثابتاً".

"لا يركّز بحثي على التوثيق بالمعنى التقليدي، بل على التأمّل والمراقبة. يشدّني المكان المأهول، وخاصةً المنازل، لما تحمله من آثار خفية. فهي تكشف عن عادات، وتاريخ، وهويات، دون الحاجة إلى التصريح بها صراحةً. هذه الرغبة في حفظ اللحظات والمشاعر العابرة تدفعني إلى التدقيق، والتمهّل، والتعامل مع الأماكن كحاويات للذاكرة الشخصية والجماعية".

"العمل من خلال تصوير فيلم يؤثّر بشكلٍ جوهري على أسلوبي. فهو يتطلّب الصبر، والقصد، ومستوى من الانتقائية يجعل كلّ لقطة ذات أهمية. لا يمكنني التصوير بلا توقّف، لذا عليّ أن أكون حاضرة  تماماً ومتناغمة مع المكان. هذه الحاجة إلى التناغم، والاندماج مع البيئة، هي الجانب الأكثر إرضاءً والأكثر تحدّياً في آنٍ واحد. يكمن التشويق في لحظات التواصل تلك، عندما يكشف المكان عن نفسه، وينبثق منه شيء هادئ ولكنّه قوي".

المزيد
back to top button