قد يبدو كوكب عطارد عالمًا صغيرًا وهادئًا عند النظر إليه من مسافة ملايين الكيلومترات، لكنّ سطحه يروي قصة مختلفة تمامًا. لقد ظلّ الكوكب يتغيّر على مدى مليارات السنين، تاركًا وراءه ندوبًا عميقة وتضاريس بارزة ومنحدرات صخريّة تكشف عمّا حدث تحت غلافه الخارجيّ الصخري. والآن، عاد العلماء لدراسة هذه الأدلّة وتوصّلوا إلى استنتاج مفاده أنّ عطارد ربما يكون قد تقلّص بمعدّل أكبر بكثير ممّا كان يُعتقَد سابقًا.
كوكب يتناقص حجمه
يستمرّ باطن عطارد في البرودة منذ تشكّل الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة. ومع فقدان نواته الحديديّة الضخمة للحرارة تدريجيًّا، فإنّها تنكمش، وتستجيب الطبقات الصخريّة المحيطة بها لهذا التغير، ممّا يؤدّي إلى انضغاط أجزاء من السطح وتقاربها.
أدّت هذه العمليّة إلى تشكّل معالم جيولوجيّة ضخمة على سطح عطارد، حيث تكوّنت منحدرات وتضاريس بارزة وطويلة نتيجة لانضغاط قشرة الكوكب. وتُعدّ هذه المعالم في جوهرها آثارًا لعالم يتقلّص حجمه عبر فترة زمنيّة هائلة.
الأدلّة المفقودة
ازداد الأمر تعقيدًا بسبب تعرّض سطح عطارد لضربات متكرّرة من الكويكبات وأجرام فضائيّة أخرى؛ إذ خلّفت هذه الاصطدامات كميّات هائلة من الحطام الذي غطّى أجزاءً من التضاريس القديمة.
وربّما تكون بعض الأدلّة التي تشير إلى تقلّص عطارد قد طُمِرَت تحت هذه المواد. ومن خلال أخذ هذه المعالم الخفيّة في الاعتبار، يقدّر العلماء الآن أنّ عطارد ربّما تقلّص بنسبة تزيد بنحو 30% عمّا أشارت إليه الحسابات السابقة. وقد يعني ذلك انكماشًا في قطر الكوكب يصل إلى حوالي 23 كيلومترًا على مدى مليارات السنين.
ما القادم؟
لم تنتهِ القصّة بعد؛ فمن المتوقع أن تصل مهمة "بيبي كولومبو" (BepiColombo) إلى مدار عطارد في نوفمبر 2026، حاملةً معها رصداً جديداً لسطح الكوكب وباطنه.
وقد تساعد القياسات التي ستوفّرها المهمّة العلماء في التحقّق ممّا إذا كان التقدير الأخير دقيقًا، كما قد تكشف المزيد عن كيفيّة تطوّر عطارد منذ نشأته.
فعلى الرغم من أن عطارد يبدو ساكنًا للغاية عند النظر إليه من الأرض، إلا أنه شهد تحوّلًا استثنائيًّا، إذ ظلّ هذا العالم، الذي يبرد تدريجيًّا، ينكمش نحو الداخل ببطء على مدى مليارات السنين تحت سطحه القديم.