كلما ابتعدنا عن سطح الأرض، طرأ تغير طفيف على كيفية مرور الوقت؛ إذ تتأثر سرعة عمل الساعات بالجاذبية والحركة. وتشير حسابات وكالة ناسا إلى أنّ الساعات على سطح القمر ستعمل بسرعة أكبر بنحو 56 ميكروثانية يوميًّا مقارنة بالساعات على الأرض. ورغم أنّ هذا الفارق ضئيل للغاية، إلا أنّه يكتسب أهميّة بالغة عند الحديث عن عمليات الملاحة الدقيقة والاتصالات والتنسيق اللازمة للمهام الفضائية المستقبلية.
ولهذا السبب، لا تكتفي ناسا بمجرد استحداث "منطقة زمنية" جديدة للقمر، بل تعمل الوكالة على وضع معيار موحد ومنسق للزمن القمريّ، يُعرف باسم "الزمن القمري المنسق" (Coordinated Lunar Time)، ليكون مرجعًا مشتركًا للمركبات الفضائيّة والمركبات القمريّة والأنظمة الأخرى العاملة على سطح القمر وفي محيطه. وسيأخذ هذا النظام في الحسبان تأثيرات النسبيّة التي تجعل الساعات على القمر تعمل بمعدل يختلف قليلاً عن نظيراتها على الأرض.
وقد أكدت شيريل جراملينج، التي تعمل في مجال معايير تحديد الموقع والملاحة والتوقيت القمري في مركز "غودارد" لرحلات الفضاء التابع لناسا في ولاية ماريلاند، على أهمية مراعاة هذه الفوارق الضئيلة؛ ففي حين قد تبدو الـ 56 ميكروثانية أمرًا غير ذي شأن في الحياة اليومية، إلا أنّ أجزاءً كهذه من الثانية يمكن أن تؤدّي إلى أخطاء ملموسة في تحديد الموقع عند التعامل مع المسافات الشاسعة ومستويات الدقة العالية المطلوبة في الملاحة الفضائية.
وتعمل ناسا بالتعاون مع وكالات حكوميّة أمريكيّة أخرى وشركاء دوليّين ومنظّمات معنيةّ بالمعايير لإنشاء نظام للزمن القمري يتيح تنسيق المهام والملاحة والاتصالات على سطح القمر وفي محيطه، على غرار دور "التوقيت العالمي المنسق" (UTC) كمرجع زمنيّ مشتَرَك على الأرض. ومن المتوقع أن يعتمد النظام المقترح على ساعات ذرية فائقة الدقة، مع ضرورة مراعاته للبيئة الجاذبية الفريدة للقمر.
وتأتي هذه الجهود استجابةً لسياسة أصدرها البيت الأبيض في أبريل 2024، توجّه الوكالات الأمريكية بتطوير معايير للزمن السماوي، مع تحديد القمر كأولوية أولية؛ حيث طُلب من ناسا تقديم استراتيجية لتطبيق معيار للزمن القمري بحلول 31 ديسمبر 2026.
ويأتي تطوير هذا النظام في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون لحقبة جديدة من استكشاف القمر. بحسب خطط ناسا الحالية، من المقرر إطلاق مهمة أرتميس 3 في عام 2027 كمهمة تجريبية في مدار أرضي منخفض بدلاً من الهبوط على سطح القمر. أما أول مهمة مأهولة ضمن برنامج أرتميس، والمقرر إطلاقها في أوائل عام 2028، فهي مهمة أرتميس 4، والمقرر إطلاقها في أوائل عام 2028.