لستُ وحيدة!

حين باعَت والدتي قطعة الأرض التي ورثَتها مِن أهلها، قسَمت المبلَغ بينها وبين أختي، فلَم أحصل على شيء. تفاجأتُ كثيرًا طبعًا، فسألتُها عن سبب حرماني، فقالَت:

ـ أنتِ صبيّة قويّة وذكيّة، أمّا سعاد، فتعرفين كيف هي.

 

ـ كيف هي؟

 

ـ إنّها ضعيفة الشخصيّة وتخاف مِن كلّ شيء. أرَدتُ حمايتها فقط.

 

ـ حمايتها مِمَّن أو مِمّا؟

 

ـ مِن كلّ شيء. إنّها أختكِ الصغيرة ولستُ أفهَم لماذا أنتِ غاضِبة هكذا، أليس عليكِ حمايتها أنتِ الأخرى؟

 

ـ سعاد بألف خير، هي تخرّجَت مِن الجامعة ولدَيها إجازة تُخوّلها مِن إيجاد عمَل والاعتناء بنفسها.

 

ـ إيجاد عمَل؟؟؟ تريدينَها أن تعمَل؟؟؟

 

ـ أجل، وما الخطب في ذلك؟ أنا أعمَل، وكذلك سائر الصبايا والنساء!

 

ـ لا... فسعاد هشّة ولا تستطيع مواجهة ضغط العمَل.

 

ـ تتكلّمين عنها وكأنّها مُصابة بإعاقة جسديّة أو عقليّة!

 

ـ إنّها مُميّزة.

 

ـ مِن أيّة ناحية؟

 

ـ كفاكِ جدالًا! إنّه مالي وأفعلُ ما أُريدُه به!

 

ـ أنتِ على حق... لكن عليكِ أن تكوني عادِلة بين ابنتيكِ.

 

ـ لطالما كنتِ تغارين منها، حتّى عندما كانت المسكينة مريضة.

 

ـ مريضة؟!؟ تتكلّمين عن مُشكلتها الصحّيّة التي عانَت منها منذ حوالي العشرين سنة والتي كانت مُعظمها دلَع وتمثيل؟

 

ـ هذا ليس صحيحًا!

 

ـ بلى، فالأطبّاء أكّدوا لكِ أنّها بحالة جيّدة.

 

ـ لا تزالين تغارين منها على ما يبدو.

 

ـ وعلى مَن يقَع الحقّ؟ أحيانًا أشعرُ وكأنّني غير مرئيّة بالنسبة لكِ... لنُقفِل الموضوع.

 

ـ أحبُّكِ أيضًا يا حبيبتي، لكن بشكل مُختلِف. على كلّ الأحوال، سترثين نصف ثمَن قطعة الأرض منّي بعد مماتي.

 

ـ أوّلًا، لا يهمّني المال، بل التمييز بيني وبين أختي. ثانيًا، أرجو أن يُطيلَ الله عمركِ يا ماما، لكن حتّى ذلك الحين، لن يبقى الكثير. ثالثًا، ما تبقّى سينقسِمُ بيني وبين أختي في آخِر المطاف.

 

ـ لَم أعهدكِ جشِعة لهذه الدرجة!

 

ـ أهذا ما فهِمتِه مِن الذي قلتُه؟ حسنًا... لننسى مسألة قطعة الأرض.

 

إبتسمَت والِدتي لأنّها إنتصرَت عليّ ككلّ مرّة، ونسيَت بالفعل الموضوع. أمّا بالنسبة لِسعاد، فهي اشترَت سيّارة حديثة وجميلة، بينما بقيتُ أتنقّل في الباص كعادتي. ثمّ هي اشترَت الحقائب الفاخِرة وصارَت تصرفُ المال يمينًا وشمالًا على صديقاتها وكلّ معارفها بشراء الهدايا لهم ودعوتهم إلى المطاعم والسفرات، ونسيَت طبعًا أن تشملني بِكرَمها. لكنّني لَم آبَه كثيرًا ولَم أتفاجأ، فكنتُ أعرفُ أختي عن ظهر قلب. مِن جانبها، بقيَت أمّي تختلِقُ لها الأعذار، إلّا أنّني لَم أُجادِل، بل تابعتُ حياتي كما في السابِق.

قد تنتظرون منّي أن أقولَ أنّ والِدتي مرضَت وتركَتها سعاد وكنتُ التي اعتنَيتُ بها، لكنّ الحياة ليست كالأفلام والقصص، وهناك بالفعل مَن لا يتعلَّم أو يأخذ العبَر مِن أحداث مؤلِمة تحصل له.

فالواقع أنّ والدتي الحبيبة استفادَت مِن معاملتها الحسنة لِسعاد، فهذه الأخيرة أخذَتها في إحدى المرّات معها إلى السفر، وهناك، تعرّفَت أمّي على رجُل مُقتدِر وتزوّجتَه، ولَم ترجَع إلى البلَد، بل طلبَت منّي إرسالها الأوراق اللازِمة للزواج، ونسيَتني مع الوقت قائلة: "أنتِ صبيّة قويّة ولستِ بحاجة إليّ... سعاد وحدها بحاجة إليّ، لِذا طلبتُ مِن زوجي أن يُعطيها وظيفة في شركته وهي ستعيشُ هنا معي. أدعو لكِ بالتوفيق."

بكيتُ كثيرًا، فلو بقيَ أبي على قَيد الحياة، لمَا حصَلَ كلّ ذلك، لمَا فرّقَت أمّي بيني وبين سعاد، ولَما تركتاني لمصيري لوحدي. ناجَيتُ أبي والله، طالِبة منهما أن يهتمّا بي جيّدًا، ففي آخِر المطاف لَم أكن قويّة كما كان يُقالُ عنّي، بل فقط إنسانة اعتادَت على الاهتمام بنفسها لأنّه لَم يكن هناك مِن يفعل ذلك عنها.

سكَنتُ لوحدي في بيتنا الذي كان بالإيجار، وكان العبء كبيرًا عليّ، لِذا وجدتُ وظيفة ثانية، فما حاجتي للعودة باكِرًا إلى بيت فارِغ؟ إضافة إلى ذلك، تعَبي هذا كان سيُنسيني مُصيبتي ويمنعُني مِن التفكير بالذي حصَلَ لي.

وفي إحدى الليالي، بعدما عدتُ ليلًا إلى البيت وغرِقتُ في نوم ثقيل لكثرة تعَبي، رأيتُ أبي في الحلم يقولُ لي: "لا عليكِ يا صغيرتي، أرى كلّ ما يحصلُ لكِ... أنا بجانبكِ ولن أتركَكِ... صحيح أنّني لَم أعُد موجودًا جسديًّا، لكنّ الرابط الموجود بيننا لا يزال حيًّا... أعدُكِ بأنّ الشدّة التي تمرّين بها ستزولُ قريبًا وأنّ تعَبكِ لن يذهب سدًى... أصبري قليلًا بعد، وثِقي بالله ورعايته لكِ مِن خلالي. نامي بهناء يا أميرتي".

في الصباح، تذكّرتُ حلمي وابتسَمتُ، فكان مِن الواضح أنّني رأيتُ ما كنتُ أتمنّاه في عقلي الباطِني، وأنّ لا حقيقة لِما رأيتُه. تابَعتُ حياتي كالعادة ونسيتُ ما قالَه لي أبي لي في تلك الليلة.

وبعد أقلّ مِن شهرَين، تمَّت ترقيَتي في عمَلي الصباحيّ لأنّ رئيستي حمِلَت بتوأمَين واضطرَّت لِترك وظيفتها. ومِن جرّاء ذلك، لَم أعُد بحاجة إلى عمَلي الثاني فارتحتُ كثيرًا واستطعتُ التركيز على وظيفتي بحماس وأمَل كبير بأنّ ما أفعله قد يأتي بنتيجة.

مرَّت حوالي ستّة أشهر حين دقَّ بابي صاحِب الشقّة التي أسكنُ فيها. خفتُ كثيرًا لأنّه لَم يأتِ أبدًا قبل ذلك، بل كنتُ أدفَع الإيجار لزوجته شهريًّا. فهو قالَ: "لَم آتِ لِرفَع ثمَن الإيجار أو الطلَب بالإخلاء، بل لأعرضَ عليكِ شراء الشقّة... لا تخافي، لا أُريدُ المبلغ في آن واحِد، بل قسم منه، وباستطاعتكِ تقسيط المبلغ المُتبقّي. فالحقيقة أنّني بحاجة ماسّة إلى سيولة وقالَت لي زوجتي إنّكِ تستحقّين هذا العرض لأنّكِ صبيّة عاقِلة وجارة مُمتازة.فكِّري بالموضوع".

إحترتُ لأمري، فالعرض كان مُغريًّا للغاية، لكن مِن أين آتي بذلك المبلغ؟ فلَم يكن لَديّ مال في حسابي المصرفيّ أو شيء أبيعه!

لكن في اليوم التالي، طلبَني المدير إلى مكتبه:

ـ آنستي... نحن بحاجة لإرسالكِ إلى الخارج إلى فرعنا الثاني، فليس لدَينا سواكِ في الوقت الحاضِر. عرضنا مُغرٍ، فستتقاضين ضعف راتبكِ إضافة إلى مصروف يوميّ. ما رأيكِ؟

 

ـ حسنًا، لكن تحت شرطَين... أُريدُ مبلغًا مُسبقًا وفي دفعة واحِدة، وستُبقي لي مصروفي اليوميّ."

 

نظَرَ إليّ مُديري باندهاش، لذا أطلعتُه على نيّتي بشراء الشقّة، فكنتُ بحاجة إلى تأمين عقار يكونُ ملكي ويسندُني في المستقبل. شرَحتُ له أنّني وحيدة في الدنيا وتلك الشقّة ستكون بمثابة رأس مالي. بعد التفكير، قبِلَ الرجُل ومضَينا بعد أيّام العقد، وقبضتُ المبلغ. أعطَيتُ المال لِصاحِب الملك ومضَينا الوصولات اللازِمة لِباقي الدفعات التي كانت تُناسِب راتبي في الغربة. وبعد أيّام، ركبتُ الطائرة.

لَم أُصدِّق حظّي هذا، فكيف أن تجتمِع الظروف فجأة لِصالحي؟ عندها تذكَّرتُ الحلم، فرفَعتُ عَنَي ويَدَي إلى السماء شكِرة وباكية لكثرة امتناني.

لَم أقُل لأمّي أو أختي عن الشقّة أو سفَري، بل بقيتُ ادّعي أنّني في البلَد وأعيشُ حياة عاديّة وبسيطة. على كلّ الأحوال، كان التواصل بيننا ضعيفًا ومُتقطِّعًا. ولا وسيلة لهما أن تعرفا ما يدورُ في حياتي.

في الغربة، عمِلتُ بجهد، وواجهتُ مصاعب كثيرة لِقلّة خبرتي، لكنّني مِن اللواتي يتعلّمنَ بسرعة. وبعد أن استوفَيت مِن راتبي المبلغ الذي اقتُطِعَ منه، صِرتُ أبعثُ لصاحِب الشقّة مبلغًا شهريًّا. عشتُ بالقلّة حيث أنا، آكلُ ببساطة وأمتنِعُ عن شراء ما لستُ بحاجة إليه. مرَّت خمس سنوات على هذا النحو، وصارَت الشقّة ملكي أخيرًا، فلَم أعُد بحاجة إلى العَيش في الغربة، فطلبتُ إعادتي إلى البلَد. وفور وصولي، بِعتُ الشقّة بمبلغ جيّد، ثمّ اشترَيتُ أخرى بِحجم أصغَر لأعيشَ فيها، ووضعتُ المال المُتبقّي في حساب مصرفيّ يُعطيني فائدة جيّدة.

في تلك الأثناء، علِمَت أمّي مِن زوجة صاحِب الملك القديم أنّني اشترَيتُ الشقّة ثمّ بعتُها، فاتّصلَت بي طالِبةً منّي أن أُعطي قسمًا مِن المال لِسعاد. رفضتُ قطعيًّا ودارَ شجار كبير عبر الهاتف، فسألتُها:

ـ لماذا أفعل؟

 

ـ لأنّها أختكِ!

 

ـ ألَم أكن أختها حين هي قبضَت نصف ثمَن قطعة الأرض؟

 

ـ الأمر ليس سواءً!

 

ـ لقد تركتماني هنا لوحدي ولمصيري، ولَم تُساعداني ولو بِقرش واحِد... وتُريداني تجريدي مِن جنى تعَبي... أيّ أمّ وأخت أنتما؟ إسمعي... عليكِ وأختي أن تنسيان أمري إلى الأبد، أفهِمتِ!

 

ـ ستعيشين وتموتين لوحدكِ!

 

ـ لا، أنتِ مُخطئة! لستُ لوحدي أبدًا! فإلى جانبي أعظم رجُل وأعظم خالِق!

 

ـ أعظَم رجُل؟!؟ هل وقعتِ في الغرام؟ مَن تعاشرين؟ مَن هو ذلك الرجُل؟

 

ـ أبي!

 

ـ أنتِ مجنونة! أبوكِ إلى جانبكِ؟؟؟ إنّه ميّتٌ!

 

ـ بل إنّه حَيٌّ فيّ! على كلّ الأحوال، لا أتوقَّع أن تفهمي ما أقصد، فأنتِ لطالما فكَّرتِ فقط بنفسكِ وابنتكِ.أنا لا أكرهكما، بل فقط لا أريدُكما في حياتي تمامًا كما أنتما لا تُريداني في حياتكما. إنّه أمرٌ مؤسِف، لكنّه الواقِع. الوداع!

 

- لكن… ماذا عن المال؟

 

أقفلتُ الخطّ بوجهها، فلا جدوى مِن مُتابعة الكلام مع أشخاص مثلها. بعد ذلك، عشتُ وأعيشُ حياةً جميلة ومُريحة، ولَم يعُد يُخيفُني شيء، ألستُ بين أيادٍ أمينة؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button