دخلَت مروة محلّي ذات يوم وعلى وجهها بسمة خفيفة، تُعبِّر عن ثقة بالنفس شديدة بأنّها امرأة جميلة وجذّابة. وبالفعل، كانت تملك تلك الصفات وأكثر، لكنّني بقيتُ معها جدّيًّا وأنا أريها الملابس التي طلبَتها. لا أخفي أنّني شعَرتُ بالإعجاب تجاهها، لكن إعجابًا مؤقّتًا جدًّا، تمامًا كالذي يشعر به الرجُل لدى رؤيته مُمثِّلة جميلة في أحَد الأفلام. ولَم أتصوّر في تلك اللحظة أنّ مروة ستلعبُ دورًا كبيرًا في تغيير مجرى حياتي.
خرجَت مروة مِن محلّي ومعها ثلاثة فساتين اشترَتها، ونسيتُ أمرها بعد أن دخلَت زبونات أخريات. للحقيقة، كان ذلك اليوم مُثمِرًا، فخابَرتُ زوجتي ودعوتُها للعشاء كما أفعلُ كلّما رزقَني الله. رحنا إلى المطعم وقضَينا وقتًا مُمتِعًا سويًّا.
بعد ثلاثة أيّام، عادَت مروة مع صديقة لها واشترَت هذه الأخيرة الفساتين والجزادين. شكرتُ مروة كثيرًا، وهي اكتفَت ببسمة وبالقول: "هذا أقلّ ما بإمكاني فعله لرجُل بلطفكَ... ووسامتكَ". إحمرَّ وجهي، فكانت تلك أوّل مرّة أتلقّى إطراءً مِن امرأة. إضافة إلى ذلك، لَم أكن أعلَم أنّني وسيم، إذ اعتقدتُ دائمًا أنّني عاديّ الملامح. فكّرتُ بما قالَته لي مروة لأيّام، لكثرة شعوري بالفخر، وحين سألَتني زوجتي عن سرّ بسمتي الدائمة، لَم أجرؤ على إخبارها عن السبب كَي لا تظنّ أنّني مُعجَب بتلك المرأة.
وحين نسيتُ أمر مروة أخيرًا، ظهرَت مُجدّدًا لتشتري حذاءً أعجبَها في المرّة السابِقة، فأسرعتُ في تلبيَتها لأنّها قد صارَت مِن أهمّ زبوناتي... وأشدّهنّ إعجابًا بي. عندها قالَت لي:
ـ قُل لي... هل تعرفُ زوجتكَ كَم أنّها محظوظة؟
ـ محظوظة بماذا؟
ـ بكَ.
ـ لستُ أدري... لماذا هذا السؤال؟
ـ لأنّكَ رجُل ناجِح ووسيم... أيّ أنّكَ الرجُل الذي تتمنّاه كلّ امرأة.
ـ كلام جميل، شكرًا لكِ، لكنّني إنسان عاديّ للغاية، صدّقيني... صحيح أنّني ناجِح، فلدَيّ محلّ كبير يدرُّ عليّ الكثير، لكنّني فعلتُ ذلك بجهدي. وعلى مدى سنوات طويلة، عانَت زوجتي الكثير معي لأبلغَ هذا الحدّ. أمّا بالنسبة لوسامتي، فهناك رجال وسيمون أكثر منّي.
ـ لا تُقلِّل مِن شأنكَ! فلو كنتَ عازِبًا، لمَا تردّدتُ بالزواج منكَ!
ـ لستُ عازِبًا وأحبُّ زوجتي كثيرًا، صدّقيني. هل مِن شيء آخَر تُريدينَه؟
سكتَت مروة فجأة ثمّ دفعَت لقاء ما اشترَته وغادرَت بلحظة. ندِمتُ على موقفي الحازِم، فكنتُ قد خسِرتُ حتمًا زبونة جيّدة، إلّا أنّني لَم أندَم على وضع حدٍّ لهذا التقرّب الذي أنا رافِض له. فكنتُ أحِبُّ زوجتي حقًّا ولا أنوي أبدًا إستبدالها بأيٍّ كان.
مرَّت الأيّام بهدوء، ونسيتُ الأمر لأنّ موسَم العيد أتى ومعه عدَد كبير مِن الزبونات، فبعتُ بضاعتي كلّها.
لكنّني تفاجأتُ بأحَد عملائي يدخلُ محلّي غاضِبًا ويصرخُ بي: "ماذا فعلَت بزوجتي؟!؟". نظرتُ إليه بدهشة، إذ أنّني لَم أكن أعرِفُ زوجته، بل هو فقط، فهو يشتري منّي البضائع، وعلاقتي به كانت تقتصِرُ على التسليم والقبض . في ما مضى، تبادَلنا بضع اللقاءات في المطاعم لنتكلّم عن العمَل وحسب. ظننتُه أتى ليدفَعَ لي ثمَن البضاعة، بعد أن تأخَّرَ عن تسديد حسابه لفترة طويلة، فتلك كانت عادته ولقد تراكَمَ المبلَغ كثيرًا لدرجة لَم تعُد تُحتمَل.
سألتُه عمّن يتكلّم وهو أجابَ صارِخًا أمام البائعات:
ـ زوجتي مروة، أتَت لتشتري بعض الملابس، وأنتَ حاولتَ التحرّش بها!
ـ أنا؟!؟ هل فقدتَ عقلكَ؟!؟ إن كنتَ تتكلّم عن تلك التي اسمها مروة والتي هي طويلة القامة وذات الشعر الأسود الحالِك فـ...
أخرَجَ الرجُل هاتفه وأراني صورة زوجته، وتعرّفتُ جيّدًا على التي حاولَت استمالتي، فأجبتُه:
ـ أجل، أعرفُها، لكنّها مَن أرادَت إقامة علاقة معي، وأنا رفضتُ.
ـ تُحاول إقناعي بأنّ رجُلًا يرفضُ هكذا إمرأة؟!؟ إنّها أجمَل مخلوقة على سطح الأرض! بل أنتَ حاولتَ لمسها أثناء تواجدها في غرفة تبديل الملابس!!! سأشتكي عليكَ!
ـ مهلًا يا صاحبي... متى حدَثَ ذلك؟
ـ منذ عشرة أيّام!
ـ حسنًا... تعالَ ننظرُ إلى كاميرات المُراقبة سويًّا إذًا، وسترى أنّني لَم أدخل قط غرفة تبديل الملابس أو أقترِب منها. وسترى أيضًا كيف أنّها كانت تتحدّث إليّ بغرض إغرائي.
وبعد مُعاينته الفيديوهات، سكَتَ الرجُل مُطوّلًا، ثمّ تمتَمَ بضع كلمات ورحَلَ بسرعة. شكرتُ ربّي أنّني ركّبتُ الكاميرات قَبل شهر فقط وإلّا لأخذَت القصّة أبعادًا لا أجرؤ التفكير بها.
عدتُ إلى البيت مُضطرِبًا لأجِد زوجتي مُستاءة للغاية، فبالكاد فهمتُ ما قالَته لي لكثرة بكائها وصراخها:
ـ آيّها الخائن! كيف تفعلُ ذلك؟!؟
ـ إهدئي! ما الأمر؟
ـ إتّصلَت بي امرأة مجهولة لتقولَ لي إنّكَ تحرّشتَ بها في المحلّ! أهذا ما تفعله طوال النهار مع زبوناتكَ؟؟؟ هل تزوّجتُ رجُلًا معدوم الأخلاق؟!؟ أريدُ الطلاق على الفور!
ـ لا لزوم لكلّ هذا، فلقد جاءَ زوجها إلى المحلّ واتّهمَني بالشيء نفسه، فأرَيتُه الفيديوهات التي تُبيّن أنّ تلك المرأة تكذِب.
ـ أيّة فيديوهات؟
ـ التي صوّرَتها كاميرات المُراقبة.
ـ وهل هناك كاميرات في المحل؟؟؟ لَم أعلَم بوجودها!
ـ لأنّها لَم تكن موجودة قَبل شهر.
سكتَت زوجتي فجأة وبدا الاندهاش الشديد على وجهها، ثمّ غضِبَت ودخلَت الغرفة. لَم أستطِع تفسير موقفها هذا، فتوقّعتُ أن تعتذِرَ منّي لأنّها شكَّت بي، وأن تفرَحَ لأنّ زوجها ليس خائنًا أو مُتحرِّشًا. لَم تتبادَل زوجتي الحديث معي في الصباح، وبدا الأمر وكأنّني أُعاقَب على شيء لَم أفعله.
ولدى دخولي المحل، راجَعتُ الفيديوهات لأرى إن كانت تُبيّن بوضوح كيف أنّ مروة تُحاول إغرائي، وذلك لأريها لزوجتي وأُقنِعها بشكل قاطِع، بعد أن شعرتُ أنّها لا تزال تشكُّ بي. وتذكّرتُ فجأة أنّ هناك أيضًا فيديوهات الكاميرا الخارجيّة، فعاينتُها هي الأخرى للمزيد مِن الدلائل. وتفاجأتُ لدرجة لا توصَف حين رأيتُ مروة واقفة في أوّل الشارع تتحدّث مع زوجتي! في البدء لَم أستوعِب ما رأيتُه، ثمّ حدَّقتُ جيّدًا وبدا لي أنّ المرأتَين لَم تلتقيا صدفة، بل تحدّثتا سويًّا لفترة قَبل أن تفترقا. أسرَعتُ بالتفتيش عن فيديوهات أخرى، فوجدتُ زوجتي حاضِرة في كلّ مرّة جاءَت فيها مروة إلى المحَل! طلبتُ مِن إحدى بائعاتي الاهتمام بالمحلّ وخرجتُ بسرعة قاصِدًا البيت.
ولدى وصولي، أمسَكتُ زوجتي بذراعها وصرختُ فيها:
ـ مِن أين تعرفين مروة؟ ما الذي يدورُ؟ لا تنكري، فلقد رأيتُكما سويًّا في الشارع في فيديوهات المُراقبة ولمرّات عديدة! تكلّمي الآن!
ـ مروة؟ مَن مروة؟ أنتَ جُنِنتَ حتمًا! أترك ذراعي الآن!
ـ إن لَم تتكلّمي الآن سترَين وجهًا لي لَم ترَيه مِن قَبل! إعترفي!!!
راحَت زوجتي تختبئ في الحمّام، وبدأتُ أُخبِّط على الباب بقوّة هائلة لدرجة أنّني كدتُ أخلِعه. عندها قالَت لي مِن وراء الباب وصوتها يرتجِف:
ـ توقّف، أرجوكَ! سأتكلّم! إنّها خدعة... تعرّفتُ منذ زمَن على مروة وصِرنا شِبه صديقات، بعد أن أدركنا أنّكَ تأتي بالملابس والأحذية لزوجها. لَم أقُل لكَ إنّني أعرفُها لأنّ طريقة حياتها... أعني أنّكَ لن تقبَل بهذه الصداقة. وعندما صارَ زوجها مُدينًا لكَ بمبلغ كبير لا يستطيع تسديده، طلَبَت منّي مروة المُساعدة.
ـ كانت تلك فكرتكِ؟؟؟
ـ أجل.. وهي أن تستميلكَ مروة فتقَع في الفخ، وتأخذُ لكَ صوَرًا تبتزّكَ بها مُقابل مُطالبة زوجها بالمال. لكنّكَ لَم تُبادِلها الإعجاب، فاضطرِرنا لتغيير الخطّة بأن نضغط عليكَ بمَسحِ الدَّين مقابل سكوت الزوج عن مسألة التحرّش المزعوم. إلّا أنّني لَم أكن أعلَم بوجود الكاميرات.
ـ يا إلهي... ألّفتم عصابة ضدّي؟!؟ ولماذا تُساعدينها؟ لماذا الانقلاب ضدّي؟؟؟
ـ لأنّني لَم أعُد أريدُكَ... أجل... إنّها الحقيقة... فلو تجاوَبتَ مع مروة كان لي عذر لتركَكَ، وفي حال نجحَت خطّة التحرّش، كان لي عذر أيضًا.
ـ ولماذا لَم تقولي لي إنّكِ لَم تعودي تُريديني؟!؟
ـ للمُحافظة على حقّي بولَدنا... ونفقة كبيرة أو تعويض.
ـ أيّتها الماكِرة! ماذا فعلتُ لكِ لتكرهيني لهذه الدرجة؟!؟ هل... هل أنتِ على علاقة برجُل آخَر؟؟؟
ـ أجل.
لدى سماعي جوابها، جلَستُ على الأرض أمام باب الحمّام، وبدأتُ بالبكاء بصمت، إذ أدركتُ أنّ كلّ حياتي انهارَت بلحظة. كنتُ أعيشُ وهمًا منذ فترة، غير مُدركٍ لما يدورُ.
طلَّقت زوجتي طبعًا، وطلَبتُ حضانة ابني الحصريّة، ثمّ اشتكَيتُ على زوج مروة الذي اضطرَّ لتسديد دَينه لي ببَيع كلّ ما يملك.
وبالرغم مِن مرور سنوات على هذه الحادِثة، لا أزال أجِدُ صعوبة بتصديق ما خطّطَت له زوجتي السابِقة مع هذَين السافلَين.فلأيّ حدّ يمكن للمرء أن يصِل إليه لتحقيق مُبتغاه، وما هو أهَمّ، كيف لَم أنتبِه لِما يدورُ في زواجي؟
حاورته بولا جهشان