إستحوَذَت تلك المرأة على عقل زوجي، فباتَ مجنونًا بها ناسيًا زواجنا وأولادنا. لَم أعلَم بتلك العلاقة إلّا حين جاءَ بهاء في أحَد الأيّام مِن عمَله، وقالَ لي بعد أن نامَ الأولاد:
ـ هناك شيء بغاية الأهمّيّة أُريدُكِ أن تعلَميه.
ـ ما الأمر؟؟؟ هل أنتَ بخير؟
ـ أجل، بخير، لا تقلَقي، لكن عليكِ أن تعرفي أنّني على علاقة بامرأة، وأنا واقِع في غرامها. وهي تُريدُني أن أُخبرَكِ عنها لأنّها سئِمَت مِن أن تبقى في الظلّ.
ـ إنّكَ تمزَح حتمًا! قُل لي إنّكَ تمزَح!
ـ أبدًا... أحبُّها وأُريدُها و... ولَم أعُد أُريدُكِ... منذ فترة طويلة. أنا آسِف.
بكيتُ بِصمت ثمّ أطلَقتُ صرخة مزّقَت الجوّ لكثرة ألَمي، ليس فقط بسبب فقدان زوجي، لكن بسبب الطريقة التي تلقَّيتُ فيها الخبَر. فبدا لي بهاء على غير عادته مُرتاحًا للغاية ووقِحًا، فلَم يُظهِر أيّة علامة حرَج أو ندَم أو تردّد. فسألتُه:
ـ ماذا تنوي فعله؟
ـ سأنتظِرُ حتّى تنال حبيبتي الطلاق ومِن ثمّ أرحَل. لا تخافي، سأتركُ لكِ البيت والأولاد، فأنتِ ضحَّيتِ بالكثير خلال زواجنا. أنا مُتأكِّدٌ مِن أنّكِ ستكونين بخير مِن دوني.
ـ هل تسمَع نفسكَ وأنتَ تقولُ لي كلّ ذلك؟ هل تعي ما تفعله؟؟؟
ـ أنا أعي جدًّا ما أقوله، فلا أستطيع تصوّر حياتي مِن دون حبيبتي.
ـ مَن هي؟ ما إسمها؟ مِن حقّي أن أعلَم مَن تكون تلك التي دمَّرَت زواجي!
ـ أنتِ لا تعرفينها، فهي تعيشُ في الخارج ولقد تعرّفتُ عليها عبر الإنترنت. هي عارضة أزياء.
ـ عارضة أزياء؟!؟ واختارَتكَ بالذات؟!؟
ـ مِمّا أشكو؟
ـ هل نظرتَ إلى نفسكِ في المرآة مؤخّرًا؟ كَم عمرها؟
ـ هي... إنّها في الثانية والعشرين مِن عمرها.
ـ هاهاها! أيّها المُغفَّل!
ـ ما بالكِ تضحكين؟ أرى أنّ دموعكِ نشفَت بسرعة.
ـ أجل، لأنّكَ لن تتزوّجَ يومًا مِن "حبيبتكَ"، صدّقني. كَم تُرسِل لها مِن مال؟
ـ كيف علِمتِ أنّني أرسِلُ لها المال؟
ـ فلماذا إذًا هي على علاقة برجُل مثلكَ؟ عارضة أزياء في الثانية والعشرين مِن عمرها... ليس مِن الصعب تخيّل دوافعها!
ـ إنّها مِن بلَد فقير وهي بحاجة إلى المال لتشتري ما يلزمها للفرَح.
ـ قُل لي... هل قابلتَها شخصيًّا؟
ـ للحقيقة لا... فحديثنا على الإنترنت كافٍ حتّى الآن. وهي ستأتي إليّ حالَما تصبح جاهِزة، فلدَيها عقد عمَل لا تستطيع فسخه مع شركة أزياء، وتنتظِر أوراق طلاقها مِن رجُل تزوّجَته رغمًا عنها.
ـ لدَيها عقد عمَل وفقيرة في الآن نفسه؟
ـ هذا ليس مِن شأنكِ!
ـ بلى، لأنّكَ تصرِف عليها مِن مال البيت! أولادُكَ أحَقّ منها بمالكَ! إسمَع، سنبقى مُتزوّجَين إلى حين تظهر "العروس"، وأنا مُتأكِّدة مِن أنّ هذا اليوم لن يأتي. عندها، سيكون لنا حديث طويل وأليم بشأن خيانتكَ لي ومشروعكَ لِتَركي.
ـ ستأتي أولغا، ستأتي.
ـ إسمها أولغا؟ هل أنتَ مُتأكِّد من ذلك؟
غضِبَ بهاء كثيرًا وخرَجَ مِن البيت بينما نسيتُ زعَلي وبدأتُ أضحَك عاليًا في البيت. فكيف لِفتاة جميلة ويافِعة أن تُغرَم وتنوي الزواج مِن رجُل عاديّ الملامِح لدَيه عمَل عاديّ أيضًا، وهو متزوّج وأب لأولاد؟ فالحقيقة أنّني لَم أرَ زوجي وسيمًا يومًا، بل العكس، خاصّة أنّني كنتُ أجمَل منه ومُتعلِّمة أكثر، ومِن عائلة أفضل مِن عائلته. ولقد تزوّجتُه ليس بدافِع الحبّ القويّ، لكن لأنّني انشغلتُ بدراساتي العُليا ومرَّ الوقت مِن دون أن أنتبِه له، وأرَدتُ أن أؤسِّس عائلة بسرعة، أيّ قَبل فوات الأوان. لِذا تزوّجتُ بهاء الذي أبدى رغبة قويّة بي، فاخترتُه لأنّه كان إنسانًا مسؤولًا ولا يخاف مِن العمَل الشاق، وخاصّة لأنّه لن يتشاوَف عليّ بسبب الفارِق الاجتماعيّ بيننا. ومع الوقت، إعتَدتُ عليه وصارَت هناك مودّة مِن جانبي تجاهه ساعدَتني على العَيش معه يوميًّا. إعتقدتُ حقًّا أنّ الزواج يكون هكِذا، ولا داعٍ للعواطِف الجيّاشة طالما أنجَبتُ ووصلَتُ لهدَفي.
ومنذ ذلك الحديث بيني وبين بهاء، زادَت سخريَتي تجاهه، لأنّني كنتُ مُتأكِّدة مِن أنّ "أولغا" ليست موجودة حقًّا، بل أنّ زوجي وقَعَ ضحيّة عمليّة احتيال عاطفيّ غرضَه تجريده مِن المال. ولَم يتبقَّ لي سوى الانتظار إلى أن يأتي موعد وصول "العروس"، لأثبتَ لبهاء أنّه غير قادِر على استبدالي بأخرى، فكنتُ منذ البدء أقصى ما بإمكانه الحصول عليه. عشنا أشهر سادَ فيها سكوت شبه تام، إذ أنّه كان مُمتعِضًا مِن موقفي الساخِر، ولَم نتبادَل سوى الأحاديث الضروريّة…
… إلى حين وصلَت أولغا!
لَم أُصدِّق عَينَيّ حين دعاني بهاء للقائه في مكان عام، وبِصحبته أجمَل صبيّة رأيتُها في حياتي! هي كانت بالفعل يافِعة وممشوقة كما تكون العارِضات عادةً، وتنظرُ إلى زوجي بِحبّ لا حدود له. ماذا رأت فيه؟؟؟ ربّما مصدر راحة مادّيّة إن هي كانت فقيرة، أو وسيلة لِتَرك بلدَها وزوجها. وأمام ملامحي المُتفاجئة، قالَ لي بهاء:
ـ هل صدّقتِ الآن؟ هل صدّقتِ أنّ بإمكاني أن أُحَبّ مِن قِبَل مخلوقة رائعة مثل أولغا؟
ـ أنا... لكن... مِن الواضِح أنّها...
ـ أنّها ماذا؟
ـ أحبَّتكَ لِسبب عمَليّ!
ـ لأنّكِ تعتقدين أنّ لا أحَد بإمكانه أن يُحبَّني لشخصي فقط؟ لأنّكِ لَم تُحبّيني يومًا؟ لأنّكِ لَم توفّري فرصة لانتقادي، وتعييري، وتذكيري بأنّني أقَلّ منكِ؟
ـ هذا ليس صحيحًا!
ـ بلى... فلَم أسمَع منكِ يومًا كلمة جميلة أو حتّى كلمة "أُحبُّكَ" أو "حبيبي"؟
ـ أُعامِلُكَ بطريقة جيّدة.
ـ هذا أقلَ ما عليكِ فعله! إسمَعي، العيون لا تكذِب... أرأيتِ كيف تنظرُ أولغا إليّ؟
ـ أجل.
ـ إنّها نظرات حبّ، نظرات تُشعرُني بأنّني أفضل وأقوى رجُل في العالَم، ومعها أحسُّ أنّني قادِر على إزاحة الجبال!
ـ ومعي؟
ـ معكِ، أشعرُ بالفشَل الدائم، فبنظركِ لستُ نافِعًا إلّا للإنجاب، فكلّ ما تفعلينه لا أستطيع فعله، أليس هذا ما تعتقدينه؟
ـ لن أجيب.
ـ خلال سنوات زواجنا قتلتِ رجوليّتي، وطموحي، ورغبتي بإسعادكِ. فكنتُ أحبُّكِ بالفعل حين تزوّجنا، وأرَدتُ تقديم أفضل حياة لكِ.
ـ أنتَ تقدِّم لي أفضل حياة؟!؟ هاهاها!
ـ أترَين؟ لماذا تزوّجتِني إن كنتِ لا تحترميني؟ يا لَيتكِ اخترتِ غيري، لمَا أضَعتُ سنين عمري!
ـ أعطَيتُكَ أولادًا جميلين.
ـ وأنا أعطَيتُكِ أولادًا جميلين، فلَم تصنعيهم لوحدكِ!
ـ وها أنتَ تتركهم وترحَل!
ـ أتركهم لكِ لأنّكِ لن تعتقدي أبدًا أنّ بإمكاني تربيتهم بشكل جيّد.
ـ بالطبع!
ـ إذًا أكمِلي عملكِ الرائع لوحدكِ، فما نَفعي؟ لكنّني أُريدُ أن أكون جزءً دائمًا مِن حياتهم لأنّني أبوهم وأحبُّهم. لستُ سعيدًا معكِ أنتِ، وليس معهم.
ـ سأحاربُكَ في المحاكم وأحرمُكَ منهم!
ـ وأنا جاهز، فلَم أعُد ذلك الرجُل الذي يخاف على الدوام أن يُخطئ أمامكِ، فالآن معي أولغا التي تؤمِنُ بي وتراني قويًّا وقادِرًا على كلّ شيء.
ـ هنيئًا لكَ بها، فأنا لا أحتاجُكَ!
ـ أعلمُ ذلك جيّدًا. الوداع.
رحَلَ زوجي مع أولغا التي لَم تتفوّه بكلمة لأنّها لا تُجيد لغتنا. راقبتُهما وهما يمشيان يدًا بِيَد، وتذكّرتُ أنّني لَم أمشِ هكذا يومًا مع بهاء. تقاسَمنا حضانة الأولاد بعد الطلاق، بالرغم من جهودي لأمنَعه مِن رؤية أولاده، فقط لمُعاقبته على تركي والزواج مِن صبيّة لا أجرؤ على مُقارنة نفسي بها.
بقيتُ غاضِبة لفترة طويلة، وانتظرتُ بفارغ الصبر أن يعودَ بهاء إليّ نادِمًا ومُتوسِّلًا، فكان مِن المُستحيل أن ينجَحَ زواجه! إضافة إلى ذلك، ركَّبتُ في رأسي سيناريوهات عديدة لِموقفي حياله لدى عودته، أعدَدتُ خلالها خططًا قاسية لمُعاقبته على رحيله. لكنّه لَم يعُد، بل عاشَ سعيدًا مع أولغا وأنجَبا طفلَين جميلَين. أمّا بالنسبة لأولادي، فأحبّوا كثيرًا زوجة أبيهم، وكانوا ينتظرون بفارغ الصبر موعد ذهابهم إلى بيت والِدهم للّعِب مع أخوَيهم.
عندها إستَوعبتُ ما فعلتُه بنفسي، ببهاء وبأولادنا، لكنّ الأوان كان قد فات. فهِمتُ أنّني استغلَّيتُ زوجي السابِق، وحطَّمتُ رجوليّته لأعزِّز ذاتي كامرأة خارِقة لا تحتاج لأحَد، وتتفوّق على "الفاِشل" الذي تزوّجَته. لَم يكن بهاء رجُلًا فاشِلًا، بل كان شخصًّا أحبَّني صدقًا وأعطاني أقصى ما بإمكانه إعطاؤه. هل ذلك لَم يكن كافيًا بنظري؟ إذًا كان يجدرُ بي اختيار شخص آخَر وتَركه يجِد رفيقة حياته التي تُناسبه. وهذا تمامًا ما فعلَه في آخِر المطاف.
حاورتها بولا جهشان