كنتُ بحاجة إلى المال لدفع أقساط جامعتي، فوجدتُ عمَلًا كنادِلة في أحَد المطاعم. في البدء، كان العمَل شاقًّا وصعبًا، خاصّة بالنسبة لصبيّة اعتادَت الراحة والدلَع. لكنّ موت أبي الذي كان مُعيلَنا الوحيد، غيّر المعايير كلّها وكذلك حياتي.
مع الوقت، إكتسبتُ الخبرة اللازمة لِخدمة الزبائن والتعامل معهم، فالبعض منهم كان صعبًا وأحيانًا فظًّا. على كلّ الأحوال، لَم يكن لدَيّ الخيار إن أرَدتُ َنيل شهادتي الجامعيّة ودخول المجال الذي أتخصّص به، أيّ إنّني كنتُ وسط مرحلة عابِرة عليّ تحمّلها.
مع مرور الأيّام والأشهر، صِرتُ أعرِفُ مُعظم الروّاد ونَمت بيننا مودّة، إلّا في ما يخصّ ذلك الرجُل الفظّ الذي كان يأتي مع زوجته لتناول العشاء بين الحين والآخَر. فهو كان بالكاد ينظرُ إليها أو يتكلّم معها، وإن فعَلَ، كان يُقلِّل مِن شأنها، خاصّة أمامي أو أمام نادِلة أخرى أو أيّ كان، ويبتسِمُ لنفسه وكأنّه فعَلَ إنجازًا عظيمًا. أمّا المسكينة، فكانت تسكتُ وتنظرُ بحزن مِن حولها ثمّ إلى طبَقها وبالكاد تستطيع الأكل أو الشرب. سألتُ صاحِب المطعم عن ذلك الثنائيّ فأجابَ:
ـ هما هكذا طوال الوقت، وتصعبُ الزوجة عليّ... فكّرتُ بعدَم استقبالهما، لكنّهما زبونان ولا يحقّ لي التدخّل في حياتهما الخاصّة. ففي آخِر المطاف، عليّ الحصول على المال الكافي لدفع الرواتب والمصاريف وتحقيق أرباحي.
ـ أعلَم ذلك سيّدي، لكن أحيانًا أتمنّى لو...
ـ لو تصفعيه، أليس كذلك؟
ـ أجل!
ـ أنا الآخَر أتمنّى لو أستطيع التدخّل أو الدفاع عن الزوجة، لكنّ الأمر لا يعنينا.
ـ أنتَ على حقّ، سيّدي.
كان الزوج يأتي أحيانًا مِن دون زوجته، بل مع زملاء له أو عملاء، ومعهم كان يبدو مرِحًا ولطيفًا، وكأنّه ليس الرجُل نفسه الذي لا يُحتمَل على الإطلاق. واستنتجتُ طبعًا أنّ الزوجة هي مصدر إزعاج كبير له، فسألتُ نفسي لماذا لا يُطلِّقها طالما يحتقِرُها لهذه الدرجة، أو لماذا هي لا ترحَل وتتخلّص مِن ذلك المُتنمِّر النرجِسيّ... أمر غريب بالفعل. ربّما لدَيهما أولاد ويبقيان سويًّا مِن أجلهم، لكنّهما كانا على ما يبدو في العقد الخامِس مِن عمرهما، فأولادهما أصبحوا حتمًا راشدين ولدَيهم عائلة خاصّة بهم.
لا أدري لماذا، لكنّ الموضوع صارَ مُهمًّا بالنسبة لي، شخصيًّا مِن دون سبب. ربّما لأنّني تربَّيتُ في بيت سادَ فيه الاحترام والمودّة والحبّ، فأبي، رحمه الله، كان أفضل الأزواج ولَم يحصل ولو مرّة أن قلَّلَ مِن احترام أمّي أو أزعَجَها بكلمة واحدة. فقرّرتُ أن أعرِف المزيد عن ذلك الثنائيّ وسألتُ مِن حولي، فكان مِن الأرجَح أنّهما يسكنان في الجوار، أو أنّ الزوج يعمَل على مقربة مِن المطعم وإلّا لماذا التردّد إلى المكان نفسه؟ وجهودي كانت مُثمِرة، ففي آخِر المطاف، كنّا في مدينة صغيرة حيث الكلّ يعرف الكثير عن الآخَرين.
وتبيّنَ أنّ الزوج هو موظّف بسيط في شركة ضخمة... تملكُها الزوجة! في البدء كانت المؤسّسة ملك أبيها الذي أسَّسَها وأدارَها لتكبر وتزدهِر. وحين تزوّجَت ابنته، هو وظَّفَه فيها لكن مِن دون أن يُعطيه أيّ ترقية على مرّ السنوات، ربّما لأنّه فهِمَ أنّ ذلك الزوج ليس أهلًا بابنته. لَم يُنجِب الثنائيّ، ولَم أعرِف مَن منهما هو العاقِر، فذلك قد يُفسِّر أمورًا عديدة. وحصَلَ أن ماتَ الأب، تارِكًا كلّ أملاكه بما فيها الشركة لابنته الوحيدة. وأظنُّ أنّ نقمة الزوج سببها عدَم حصوله على ما سعى وراءه منذ زواجه، أيّ المال والأرزاق والشركة. هل يُعقَل أن تكون تلك الزوجة الخاضِعة والمسكينة، قويّة كفاية للوقوف في وجه مُتنمِرّها بِحرمانه مِن كلّ شيء؟ يا لقوّتها الجبّارة!
لكنّني لَم أكتفِ بالذي عرفتُه، ربّما لأنّ هناك حلقات مفقودة أثارَت فضولي. فبدأتُ أنتظرُ بفارِغ الصبر مجيء الثنائيّ إلى المطعم لأُراقبهما وأسترِق السمَع جيّدًا، بعد أن طلبتُ مِن زميلاتي أن أخدِم تلك الطاولة حصريًّا.
ونجحَت خطّتي، ففور وصولهما، ركضتُ أخدِمهما والتركيز جيّدًا على الحديث، وهذا ما سمعتُ الزوج يقولُ لزوجته:
ـ أنتِ غبيّة! بسببكِ ستُقفِل الشركة! ألا يهمّك تعَب أبيكِ؟!؟
ـ لن أسمَحَ لكَ بأن تضَع يدكَ على الشركة، بل سأُديرُها بنفسي.
ـ أنتِ تُديرين شركة؟!؟ هاهاها! لَم تستطيعي حتّى الإنجاب بينما الكلّ يُنجِب، حتّى الحيوانات!
ـ عقري هو إرادة الله ومَن أنا لأُناقِشه؟ ربّما هو لَم يرِد أن نأتي إلى الدنيا بأطفال يتحمّلون مزاجكَ السيّئ وأنانيّتكَ.
ـ ما هذا التحوّل! لَم أعهدكِ هكذا، قادِرة على الإجابة أو حتّى التفكير لوحدكِ!
ـ لو تكبّدتَ عناء معرفتي بطريقة عميقة كأيّ زوج آخَر، لفهمتني أكثر.
ـ هذا لا يهمّني! أُريدُ إدارة الشركة قَبل أن نذهب إلى الإفلاس!
ـ نذهب؟ أنتَ موظّف بسيط، فلا تستعمل صيغة الجمع مِن فضلكَ.
ـ كيف تجرؤين؟!؟ سأُعلِّمكِ كيف تحترميني!
ورفَعَ الرجُل يدَه وكأنّه يُريدُ صفعها، فتدخّلتُ:
ـ سيّدي، هل هناك ما لا يُعجبكَ في الطعام الذي طلَبتَه؟
هدأ الرجُل وأجابَ بالنفي. نظرَت المرأة إليّ شاكِرة، فابتسمتُ لها وغمزتُها. لكن بعد دقائق، إمتلأت عَيناها بالدموع، فقصدَت الحمّام. لحِقتُ بها على الفور ووجدتُها تمسَح دموعها. وقفتُ بجنبها صامِتة وهي قالَت لي:
ـ أحبَبتُه آنذاك، لأنّه عاملَني بطريقة جيّدة قَبل الزواج ووعدَني بحبّ أبديّ... لكنّه أرادَ ثروتي منذ البدء وحسب... أقامَ علاقات مع سيّدات عديدات، وعلِمتُ أنّ لدَيه ولَدًا غير شرعيّ مِن إحداهنّ... الآن يُريدُ تجريدي مِن كلّ شيء، ربّما ليتزوّج مِن أمّ ولَده ويُعطيها شقاء عمر أبي.
ـ موقفكِ كان جريئًا للغاية، ولقد أدهشتِني، فغالِبًا ما تصمتين حين يقلِّل مِن شأنكِ.
ـ لَم أعُد أحتمَل الوضع... الشركة في خطر، فلا أعرِف كيف أُديرها، وكلّ الموظّفين يلتفّون حول زوجي لأنّهم ذكور، ويعتقدون أنّ امرأة لا تستطيع القيام بالمهام مع أنّني...
ـ مع أنّكِ؟
ـ درستُ إدارة الأعمال في الجامعة آنذاك، إلّا أنّني لَم أُمارِس المهنة يومًا.
ـ أنا أكيدة مِن العكس... ثقي بنفسكِ وأحيطي نفسكِ بخبراء يُساعدونكِ... وظّفي مَن يُخلِصُ لكِ.
ـ فكرة جيّدة، لماذا لَم أُفكِّر بها؟ لكنّ زوجي سيستاء كثيرًا وقد يؤذيني، فأحيانًا أخاف أن... أن يتخلّصَ منّي ويحصل على مراده بسرعة.
ـ أنتِ على حقّ... أليس لدَيكِ مَن تذهبين إليه إلى حين تتصرّفين بالشركة وتطلبين الطلاق؟
ـ الطلاق... لَم أُفكِّر بذلك أيضًا... لماذا... ربّما لأنّني اعتَدتُ على الذُلّ الذي صارَ أمرًا مقبولًا بالنسبة لي... هناك ابنة خالتي... إنسانة طيّبة ومُخلِصة.
ـ إذهبي إليها، لكن لا تُخبري أبدًا زوجكِ عمّا تنوين فعله، بل باشِري بالطلاق على الفور. فبتطليقه، لن يكون لدَيه سبب لأذيّتكِ، إذ لن يحصل على شيء إن مُتِّ.
ـ أنتِ صبيّة ذكيّة للغاية! كنتُ ذكيّة أيضًا في سنّكِ قَبل أن...
ـ لا تُفكّري بالماضي، بل بالمُستقبل. إذهبي الآن قَبل أن ينشغلَ باله، لكن عِديني بأنّكِ ستُطلعيني على المُستجدّات!
مسحَت المرأة دموعها جيّدًا، وقبّلَتني على خدَّيّ وعادَت إلى طاولتها. لَم ألحَق بها على الفور، لكنّ حين خرجتُ مِن الحمّام، كان الثنائيّ قد رحَل.
قضَيتُ أشهر طويلة مِن دون أن أرى الرجُل أو زوجته، فانشغَلَ بالي كثيرًا. بقيتُ أنتظرُ قدومهما، لكن مِن دون جدوى. لا أخفي أنّ تلك المسألة أثَّرَت على دراستي، لكنّني لَم أرسب، والحمد لله.
وذات يوم، دخلَت المرأة إلى المطعم... ومعها مجموعة رجال ونساء وجلَسوا إلى إحدى الطاولات، وأخرجوا أوراقًا وملّفات عديدة وبدأوا يتكلّمون عن العمَل. ركضتُ ألقي التحيّة على المرأة، وعلى وجهي بسمة عريضة بعد أن اطمأنّيتُ على سلامتها. هي بدَت لي مُشرِقة وأصغَر سنًّا مِن قَبل، ففهمتُ أنّها إتّبعَت نصيحتي. ثمّ قالَت لي: "أُعرّفُكِ بطاقَم عمَلي الجديد، ونحن بصدَد إعادة هيكليّة الشركة مِن كلّ النواحي... فلقد تخلَّصتُ مِن كلّ العناصِر التي لا منفعة منها في الشركة، كلّهم ومِن دون استثناء!". وإرتسمَت بسمة عريضة على وجهها وغمزَتني. هنّأتُها بحرارة وخدَمتُ الطاولة بفرَح. وقَبل رحيلها وموظّفيها، قالَت لي تلك السيّدة: "إن احتجتِ يومًا إلى عمَل، فمكانكِ محفوظ". شكرتُها كثيرًا، لكنّني كنتُ أدرسُ طبّ الأسنان وليس الأعمال.
بقيتُ أرى السيّدة إلى حين ودّعتُها، يوم ترَكتُ المطعم لأتمرّس في مهنتي الجديدة، لكنّنا لا نزال على تواصل حتّى اليوم.
حاورتها بولا جهشان