ضحيّة العاطفة (الجزء الأول)

ظننتُ أنّني سأعيشُ سعيدًا مع ميساء إلى الأبد، ونبني عائلة جميلة ونشيخ سويًّا مُحاطَين بأحفادنا. فلقد أحبَبتُ ميساء منذ ما أتذكّر، أيّ منذ ما وقعَت عَينايَ على تلك الفتاة الصغيرة الجميلة والمليئة بالحياة التي كانت تسكنُ في المبنى نفسه. كان أهلُنا مُقرّبين جدًّا مِن بعضهم وقضَينا كلّ وقتنا معًا. كبرنا وبقينا نتقاسَم اللحظات السعيدة وكبرَ حبّي لميساء. إلّا أنّني لَم أعرِف يومًا طبيعة مشاعرها تجاهي مع أنّها كانت تشتاقُ لي حين أغيب، وتخافُ عليّ حين أمرَض، وتجلسُ دائمًا بجانبي حتّى لو كانت هناك مجموعة كبيرة مِن الناس. وهؤلاء كانوا يظنّون دائمًا أنّنا ثنائيّ، ويعوّلون على زواجنا بعد سنوات. أنا الآخَر كنتُ أبني كلّ شيء حول ذلك اليوم المُبارَك، الأمر الذي أعطاني حافِزًا كبيرًا لأكونَ الأفضل مِن كلّ النواحي. وبالفعل، صِرتُ دائمًا أوّل دفعتي في المدرسة والجامعة، وكانت ميساء فخورة بي وتتباهى بإنجازاتي أمام الناس.

ثمّ دخَلَ جهاد على الخط، شاب غير نافِع، بل يقومُ بأعمال مشبوهة ليأتي بالمال ويصرِفه على ميساء. وكنتُ أُشاهِدهما وهما يضحكان ويسعدان سرًّا، فأهل حبيبتي رفضوا ذلك الشاب منذ أوّل لقاء، ومنعوها مِن رؤيته على الإطلاق. وتحوّلتُ مِن الذي كان لدَيه المركز الأوّل في حياة ميساء إلى الذي يحمي سرّها ويُدبِّر لقاءاتها مع جهاد. عانَيتُ بصمت بينما قويَت العلاقة بين هذَين الإثنَين، ووجدتُ أنّ البوح بحبّي لميساء لَم يعُد مُناسِبًا. فقرّرتُ الانتظار إلى حين هي تملّ منه وأستعيدُ مكانتي في حياتها. فكنتُ إنسانًا صبورًا جدًّا ولا مانِع لدَي في إرجاء مشاريعي المُستقبليّة المُتعلِّقة بميساء.

لكنّ أهل ميساء خافوا أن تهربَ ابنتهم مع جهاد وتقَع الكارِثة، لِذا قصَدوا أهلي واتّفقوا على تزويجنا لأنّهم كانوا يعلَمون أنّني مُتيَّم بها ولا مانِع أبدًا لدَي لأكون زوجها، مع أنّ ميساء لَم تكن تنوي ربط حياتها بي. جادلتُهم، فكان مِن المُستحيل أن أقبَلَ بزوجة لا تُريدُني، وما هو أهمّ، تُريدُ غيري. فوعدَني أبوها بأنّه سيعرفُ كيف يُقنِع ابنته، فكان مِن الواضِح أنّها في حالة افتتان عابِرة، وأنّها تُحبُّني وتُريدُني ضمنيًّا، فنحن مُترافقَين منذ صغرنا على الدوام.

للحقيقة، لَم أكن مُرتاحًا لتلك الصفقة، فخِفتُ أن تستاءَ ميساء منّي وتقطَع علاقتها بي نهائيًّا وأخسَرها حتّى بصفتها صديقة عزيزة. مرَّت الأسابيع، وسمِعتُ بالفعل ميساء تتكلّم مع جهاد عن الهروب والزواج خطيفة، يوم كنتُ برفقتها أثناء لعبي دور "المُدبِّر". وشعرتُ بالخوف عليها مِن ذلك الشاب الذي بالفعل لَم يكن مُناسِبًا لها أو لأيٍّ كان، إضافة إلى خوفي مِن فقدان الأمَل الذي كان مُحرِّكي خلال سنوات طويلة.

لكنّ الحبيبان لَم يهربا سويًّا، بل تمَّ إقناع ميساء بي، ليس مِن دون جهد، فتركَت جهاد على الفور. للحقيقة، إستغرَبتُ كيف أنّها تخلَّت عنه بهذه السهولة بينما كان مِن الواضح أنّها مُتيّمة به. ربّما هي صحَت مِن سِحره وأدركَت أي نوع مِن الرجال هو، أو أنّها كانت تشعُر تجاهي بحبٍّ لَم تكن تَعي له. على كلّ الأحوال، كنتُ مسرورًا أنّها قبِلَت بي بإرادتها ، كما هي أكدَّت لي يوم سألتُها عن الأمر.

بدأَت التحضيرات للزواج، وبسرعة فائقة، قَبل أن تُغيّر العروس رأيها. تزوّجنا وذهبنا إلى شهر العسل، وكانت ميساء سعيدة جدًّا ومسرورة وتتكلّم عن مشاريع مُستقبليّة معي وعن الإنجاب. إرتاحَ بالي مِن ناحيتها، واستطعتُ مِن جانبي التركيز على بناء ذلك المُستقبل المُشترَك. في الفترة التي تلَت، إعترفَت لي ميساء أنّها لطالما أحبَّتني، لكنّها كانت لا تزال لا تعرفُ مدى مشاعرها لي التي بدَت لها في بادئ الأمر وكأنّها صداقة عميقة. لكن حين هي تعرّفَت على جهاد وصارَت تعرِفه أكثر، بدأت تُقارِنه بي، فوجدَت أنّني الرجُل المُناسب، ولهذا السبب هي قبِلَت أن تترك حبيبها بسرعة والزواج منّي.

كم كنتُ سعيدًا لسماع ذلك الكلام! حبيبتي كانت أيضًا تُحِبُّني! حملتُها ودرتُ بها في البيت وقبَّلتُها مئة قُبلة!

لكن بعد أيّام، قالَت لي ميساء بنبرة صوت جدّيّة:

ـ أنا في ورطة... لا تغضَب منّي أرجوكَ... لكنّ جهاد...

 

ـ ما باله؟ هل لا تزالين تكّنينَ له الحبّ أو مشاعر شبيهة؟

 

ـ لا! لا... لكنّه يبتزُّني... فلدَيه صوَرًا... أعني... بعثتُ له صورًا وأنا... أقصد...

 

ـ أفهَم ما تقصدينَه! كيف تفعلين ذلك أيّتها البلهاء؟!؟

 

ـ لستُ أدري... كنتُ مفتونة به وهو أصرَّ عليّ... قالَ إنّه اختبارٌ لِحبّي له.

 

ـ وكيف ينوي ابتزازكِ؟

 

ـ إمّا أعودُ إليه أو ينشرها على الإنترنِت. يا إلهي... دُمِّرَت سُمعتي إلى الأبد!

 

ـ وسُمعتي وسُمعة أهلكِ!

 

ـ أجل... ما العمَل يا حبيبي؟

 

ـ سأُكلِّمه.

 

ولكثرة غضبي مِن جهاد الذي لَم أكنّ له أيّة محبّة لأنّه "سرَقَ" حبيبتي منّي، لَم أُفكِّر مليًّا بموضوع الصوَر، وكيف لميساء العاقِلة والمُهذّبة أن تُرسِل لرجُل صوَرًا إباحيّة لِمُجرّد طلبه لها، واتّصلتُ بجهاد وقلتُ له:

ـ علِمتُ بالابتزاز الذي تُمارِسه على ميساء! ما هذا الكمّ مِن الأخلاق؟

 

ـ أيّ ابتزاز، عمّا تتكلّم؟

 

ـ لا تدّعي البراءة! إحذِف صوَر ميساء مِن هاتفكَ على الفور وإلّا اشتكَيتُ عليكَ عند الشرطة وسجنتُكَ!

 

ـ لا أعرِف عمّا تتكلّم... أيّة صوَر؟ أهي لميساء؟

 

ـ لا تُجادلني! ولا تُجبرني على أذيّتكَ!

 

ـ أنتَ مجنون! لا تُزعجِني بعد الآن!

 

حظرَني جهاد على هاتفه، الأمر الذي أغضبَني كثيرًا، فاعتبرتُ ذلك قِلّة تهذيب واحترام لي، خاصّة مِن قِبَل شخص مثله! إضافة إلى ذلك، كيف كنتُ سأنهي مسألة الصوَر هذه إن كنتُ غير قادِر على التواصل مع ذلك الحقير؟

غضِبَتزوجتي كثيرًا هي الأخرى عندما أخبرتُها عن الحديث الذي دارَ بيني وحبيبها السابِق وعن حَظري، ثمّ امتلأت عيناها بالدموع وقالَت لي:
ـ ما العمَل الآن؟ ماذا عن سُمعتي؟ هل ستتركه يفلِتُ منكَ هكذا؟ أنتَ زوجي، ومِن واجبكَ أن تحمي شرَفي!

 

نسيتُ أنّه كان عليها هي أن تحمي هي شرَفها بِعدَم إرسال هكذا صوَر لِرجُل كجهاد أو لأيّ شخص آخَر، لكنّني كنتُ مشغولًا بدموع حبيبتي، فقلتُ لها:

ـ لا تخافي... هو لن يفلِتَ منّي! وأعدُكِ بأن لا أحَد سيرى تلك الصوَر أبدًا! سأحميكِ بالفعل، فلقد انتظرتُ أن تصبحي زوجتي لسنين لا تُحصى، وآخِر شيء أُريدُه هو أن تندَمي على اختياري بدلًا مِن ذلك الفاسِق!

 

عانقَتني ميساء وهمسَت في أذني:

ـ إذهب إليه، سأُعطيكَ عنوان منزله... واجِهه بنفسكَ وأخِفه، فلن يفهَم بطريقة أخرى. لكن لا تنسَ أن تأخذ معكَ عصًا أو ما شابَهَ، فهو مِن الذين لا يتردّدون على الأذيّة."

 

ثمّ قبّلَتني بِشغف ونسيتُ نفسي والدنيا بأسرها. فكان مِن الواضح أنّ زوجتي تُحبُّني وتخافُ عليّ. مغفّلًا كنتُ... فالحبّ يُعمي الإنسان ويُخدِّر عقله.

 

يتبَع...

المزيد
back to top button