أقنعَني أبي بأن أحفَظَ سرّه في ما يتعلَّق بحياته الشخصيّة تحت حجّة أنّ سكوتي سيَحمي أمّي مِن صدمة لن تتحمّلها بسبب مرَضها. فالواقع أنّه اضطرَّ لأن يأخذَني معه حين ذهَبَ للقاء عشيقته، وبالرغم مِن أنّه زعَمَ أنّها زميلته في العمَل وراحَ يراها بسبب مُشكلة مُلِحّة في أحَد الملفّات، لَم أقتنِع أبدًا بما قالَه لي. وفي طريق عودتنا إلى بيتنا، قلتُ له:
ـ بابا... تلك السيّدة... ليست زميلتكَ، أليس كذلك؟
ـ أنتِ مُخطئة! إنّها بالفعل تعمَل معي!
ـ إذًا علاقتكما ليست فقط عمليّة.
ـ بلى!
ـ بابا... أنا في الرابعة عشر مِن عمري... لستُ طفلة أو غبيّة... رأيتُ كيف تنظران إلى بعضكما. إضافة إلى ذلك، مِن الواضِح أنّها لَم تكن تتوقَّع قدومي بل تنوي الخروج معكَ، فملابسها توحي بذلك.
ـ إنزَعي تلك الأفكار مِن ذهنكِ!
ـ أعودُ وأقولُ لكَ إنّني لستُ غبيّة. منذ متى؟ وهل أمّي تعلَم؟
ـ إيّاكِ أن تتفوّهي بكلمة لأمّكِ!
ـ مِن حقّها أن تعلَم! كيف تخونُ الماما؟!؟ ألا تخجَل مِن نفسكَ؟ فهي لا تزال تُعاملُكَ كالسابِق بالرغم مِن حالتها الصحّيّة.
ـ أنا أبوكِ ولا أسمَح لكِ بالتكلّم معي بهذه الطريقة!
ـ أبي لا يخونُ أمّي! منذ متى أنتَ على علاقة مع تلك الـ...
ـ حسنًا! منذ سنة! وإن كنتِ تنوين إخبار أمّكِ، فسأُحمِّلكِ مسؤوليّة موتها!
ـ ماذا؟!؟
ـ أجل، فستقتلينها! هل أنتِ مُستعِدّة لِتحميل ضميركِ إلى الأبد والعَيش مِن دون أمّ؟ هيّا يا شاطرة، إقضي عليها!
ـ أنتَ الذي سيقضي عليها، أنا لَم أفعل شيئًا!
ـ لقد أنذرتُكِ!
بعد وصولنا إلى البيت، أقفَلتُ باب غرفتي على نفسي وبدأتُ بالبكاء. مسكينة والِدتي، فهي لتستحِقّ أن تعرِفَ الحقيقة، لكن مِن جهّة أخرى، أبي لا يستحقّ أن يتخلّص منها بهذه السهولة، فالخبَر قد يؤثِّر بشكل كبير على صحّتها وحياتها. وبالرغم مِن حيرَتي، إستطعتُ رؤية أبي كما هو حقًّا، وليس كالرجُل الذي كوّنتُ فكرة عنه منذ صغري. فبدلًا مِن أن يشعرَ بالندَم، هو أقحَمَ مُراهِقة بِكذبه وغشّه، غير آبِه لمشاعري وضياعي، وما هو أهمّ، للصورة التي صِرتُ أرى فيها الرجال والتي ستؤثِّر على اختياري لزوجي المُستقبليّ.
إضافةً إلى كتماني لِسرّه، هو بدأ يعتبرُني شريكته، فصارَ يستعملُني للتغطية على علاقته وخروجه مع عشيقته، ويغمزُني بوقاحة كلّما كذِبَ على أمّي مُتحجِّجًا بأنّني ذاهِبة معه لقضاء ما أحتاجُ له. كرهتُه وكرهتُ نفسي ولَم أعُد قادِرة على التركيز على شيء آخَر، فتدنَّت علاماتي في المدرسة بشكل ملحوظ، الأمر الذي أدهشَ الجميع في المدرسة، فكنتُ دائمًا مِن أوائل صفّي.
عندها طلبَتني المُرشِدة الاجتماعيّة إلى مكتبها لتعرِفَ منّي السبب. لَم أجرؤ على إخبارها بما يدورُ مع أبي، إلّا أنّها قالَت:
ـ أعمَلُ في هذا المجال منذ سنوات طويلة، وأستطيعُ الجَزم أنّ هناك ما حصَلَ لكِ مؤخّرًا إمّا على صعيد عاطفيّ أو عائليّ.
ـ أنتِ مُخطئة يا سيّدتي... إنّه... إنّه مرَض أمّي، فيؤثِّر عليّ كثيرًا.
ـ لا أظنُّ ذلك، فأمّكِ مريضة منذ فترة وعلِمتُ منها حين اتّصلتُ بها لأسأل عنكِ أنّها لا تزال على حالها.
ـ أنا لا... ليس هناك مِن خطب، لقد شعرتُ بوعكة صحّيّة مؤخّرًا!
ـ لن أُجبركِ على التكلّم، فأنا هنا لمُساعدتكِ وفَهمكِ.
ـ لن تفهَمي وضعي، يا سيّدتي.
ـ إختبِريني.
ـ هل تعيديني بعدَم إفشاء السرّ؟
ـ أجل... إلّا إذا كان الأمر له علاقة بسلامتكِ!
أخبَرتُها القصّة بأكملها لأنّني كنتُ بحاجة إلى إزالة الحِمل عنّي قليلًا، ولأنّني كنتُ أثِقُ بتلك المرأة التي ساعدَت الكثير مِن الطلّاب على مرّ السنوات. إستمَعَت إليّ المُرشدة الاجتماعيّة بصمت، ثمّ قالَت لي:
ـ الآن فهمتُ سبب تدنّي علاماتكِ... فأنتِ تحمِلين على كتفَيكِ سرًّا كبيرًا، سرّ خيانة راشِد عليه تحمّل تلك المسؤوليّة لوحده، وتحمِلين أيضًا ذنب إخفاء الحقيقة عن أمّكِ التي تُعاني مِن مشاكل صحّيّة كبيرة، وهذا غير مقبول!
ـ لن أتسبَّب لأمّي بالموت!
ـ أعرِفُ مدى حبّكِ لوالدتكِ، إطمئنّي. لكنّ الموضوع هو بين والِدَيكِ وليس عليكِ إخفاء أو إصلاح واقِع راشدَين. ما عليكِ فعله في هذه المرحلة مِن حياتكِ هو التمتّع بِسنّكِ والتركيز على بناء مُستقبلكِ بسلام.
ـ ماذا تقترحين، يا سيّدتي؟
ـ ستقولين لأبيكِ إنّكِ لن تكوني شريكته بعد الآن، وسترفضين أن يأخذكِ كعذر للقاء عشيقته، فليتدبّر أمره!
ـ وهل عليّ أن أفشي سرّه لأمّي؟
ـ لا، فكما قلتُ لكِ، الأمر لا يعنيكِ، دعيهما يتدبّران أمرهما لوحدهما. على كلّ الأحوال، هناك احتمال كبير بأنّ والدتكِ تعلم أنّ زوجها يخونُها، فللنساء حاسّة قويّة بهذه الأمور. وإن هي تعلَم ما يدورُ وتقبَل به، فهذا شأنها. أمّا إذا كانت تجهل الحقيقة، أتركيها على حالها، فأحيانًا مِن الأفضل ألّا نعرفَ شيئًا. أُريدُكِ خارج تلك المُعادلة وبأسرع وقت! أفهمتِ؟
للحقيقة، إرتحتُ كثيرًا بعدما أفرَغتُ قلبي أخيرًا وحصَلتُ على جوابٍ لِحيرتي. وبالفعل، قلتُ لأبي أن يتدبَّر أمره مِن دوني. لكنّني أضَفتُ حين واجهتُه:
ـ إسمَع، عليكَ أن تعلَم أنّكَ خذلتَني كأب.
ـ خيانتي لأمّكِ لا علاقة لها بأبوّتي!
ـ بلى... فلطالما إعتبرتُكَ مِثالًا، رجُلًا قويًّا وشريفًا وصادِقًا... وها أنتَ ضعيفٌ أمام المغريات والشهوات، تكذِبُ وتحتال وتُخطِّط ولا تتردّد عن استعمال ابنتكَ للوصول إلى مرادكَ. فبنظري، لَم تعُد أهلًا لاحترامي.
ـ كيف تُكلّميني هكذا؟؟؟
ـ أفعالُكَ جلبَت لكَ هذا الكلام، فلا تلومُ إلّا نفسكَ!
ـ أمّكِ مريضة وأنا رجُل و... لن تفهَمي فلا تزالين صغيرة.
ـ أفهمُ الكثير، لا عليك. لكن دَعني أسألُكَ هذا السؤال: لو كنتَ أنتَ المريض وراحَت أمّي تُعاشِرُ رجُلًا آخَر، ما كان سيكون موقفكَ؟
ـ لن أقبَلَ بذلك طبعًا!
ـ وماذا ستقولُ عنها؟
ـ أنّها فاسِقة وخائنة و...
ـ تمامًا! وهذا ما أقولُه عنكَ!
ـ إنتبِهي لكلامكِ!
ـ عندما تزوّجتَ أمّي، ألَم تعِدها بأن تبقى معها مدى العمر في السرّاء والضرّاء، وبأن تصونَها؟ أين ذلك الوعد؟ ألّا ينبغي عليكَ أن تحضُنها في مِحنتها وتكونَ أفضل زوج لها؟ كيف تتركها وحدها مع مرَضها بينما تذهب وتلهو وتستمتِع بوقتكَ؟ إسمَع، لن أستطيع مَنعكَ مِن خيانة أمّي، ولكنّكَ بالمُقابِل لن تستطيع مَنعي مِن تكوين هذه الصورة عنكَ. إعلَم فقط أنّكَ خسِرتَ ابنتكَ الوحيدة مِن أجل شهواتكَ.
ذُهِلَ أبي بكلامي، فهو كان حتّى ذلك الحين يعتبرُني فتاةً صغيرة وليس أكثر. رأيتُ في عَينَيه الاستنكار حين أطلَعتُه عن رأيي به، وخاصّة أنّه خسِرَني. أظنُّ أنّه لَم يرَ مدى تأثير خيانته عليّ، ناهيكَ على أمّي.
أطلَعتُ المُرشِدة الاجتماعيّة على ما حصَل، وهي هنّأتني وشجّعَتني على استعادة تركيزي على الدراسة، ولن أشكرها كفاية على ما فعلَته مِن أجلي. فلولاها، لخسِرتُ نفسي وأضَعتُ مستقبلي.
مرَّت حوالي الثلاثة أشهر كنتُ خلالها بالكاد أوجِّه له الكلام، حين أخذَني والِدي جانِبًا وأخبرَني أنّه قطَعَ علاقته بتلك المرأة. كان صوته يرتجِف والدّمع يملأ عَينَيه، خاصّة عندما سألَني إن كنتُ سأُعيدُ النظَر في علاقتي معه. لَم أعِده بشيء، بل اكتفَيتُ بالقول: "سنرى".
مرَّ أبي بفترة اختبار طويلة معي، فلَم أثِق به، لكنّه بقِيَ على وعده والتزَمَ البيت وصارَ يُعامِل أمّي بطريقة مُختلِفة. حينها فقط قلتُ له إنّني أرى مُجدَّدًا فيه الأب الذي أفتخِرُ به. بكينا سويًّا وهو اعتذرَ لي بحرارة مُعترِفًا بأنّه أخطأ كثيرًا.
مضى على تلك القصّة أكثر مِن عشر سنوات ولا يزال والِدي وفيًّا لأمّي التي تحسّنَت حالتها بفضل دواء جديد تمّ اكتشافه. ولزِمَني وقت طويل للوثوق برجُل والتفكير بِربط حياتي بأحَدهم.
أنا اليوم مخطوبة وآملُ أن يكون خطيبي وفيًّا لي وصادِقًا معي، خاصّة بأوقاتي الصعبة.
حاورتها بولا جهشان