صبيّة يتيمة

لَم تكتفِ ناهدة بأخذ خطيبي منّي، بل أساءَت إليّ مِن كلّ النواحي. للحقيقة، لَم أتصوّر أبدًا أنّ تلك الصبيّة المسكينة بإمكانها بلوغ ذلك الحدّ مِن المكر والحنكة والبغض. فلقد أعطَيناها كلّ شيء لأنّها ذاقَت الأمرَّين منذ طفولتها وشعَرنا بالأسى تجاهها.

لكن دعوني أُخبركم مَن هي ناهِدة:

في ما مضى، ذهَبَ خالي إلى أوروبا بداعي العمَل، تارِكًا عائلته في البلَد. وهناك أقامَ علاقة مع إحدى السيّدات التي هي أيضًا مِن بلَدنا، بعد أن تعرَّفَ عليها في مكان يجتمع فيه أبناء جاليتنا. ومِن تلك العلاقات وُلِدَت ناهِدة. لكن بعد حوالي الأربع سنوات، عادَ خالي إلى عائلته، غير مُصّرِحٍ بوجود عشيقة له، وما هو أهمّ، إبنة غير شرعيّة. لَم يشكّ أحَدٌ به كَونه معروفًا بجدّيّته وأخلاقه العالية وتديّنه. مرَّت السنوات وماتَ خالي فجأةً بأزمة قلبيّة، وإذ بنا نعرِف مِن زوجته أنّ شابّة اتصلَت بها وأخبرَتها أنّها إبنة المرحوم، وأنّها جاءَت لتراه لكنّه توفّيَ قَبل أن يتمّ اللقاء بيوم واحد. ولتُصدِّقها زوجة خالي، هي أرسلَت لها صوَرًا لخالي معها، ورسائل مُشتعِلة بالغرام بينه وأمّها، وإثباتات أخرى. لَم تطالِبها ناهِدة بشيء، بل فقط أن تستقبلها العائلة وتعترِف بها بعد أن صارَت وحيدة منذ وفاة أمّها قَبل سنة واحدة. وتصوّروا ردّة فعل زوجة خالي لدى معرفتها بأنّ زوجها "الملاك" كان خائنًا مِن الطراز الأوّل! فنشفَت دموعها فجأة، وخلعَت الملابس السوداء، وطلبَت مِن أولادها عدَم ذِكر اسم خالي أمامها.

لكنّ أمّي أشفقَت على ناهِدة التي كانت آنذاك في الثامنة عشرة مِن عمرها ولا مكان لها أن تذهب إليه، فكيف تعودُ إلى أوروبا لوحدها؟ فهي تصوّرَت لو كنتُ في الموقف نفسه لأنّني كنتُ في مثل سنّها آنذاك. لذلك، هي استقبلَت ناهِدة في بيتنا، وطلبَت مِن زوجة خالي عدَم التدخّل، فتلك الصبيّة كانت في آخِر المطاف ابنة أخيها. وهكذا عاشَت ناهِدة معنا، وتقاسَمَت معي غرفتي وملابسي وأسراري، وصِرنا كالأختَين.

مرَّت السنوات مِن دون حدوث شيء يُذكَر في ما يخصّ ناهِدة، إلّا أنّني اكتشفتُ أنّها تكذب، وبصورة خاصّة عندما تقترفُ خطأً ما، وتطلبُ منّي أن ألبِسَ التهمة عنها بحجّة أنّها غريبة وأنّني ابنة البيت. لبَّيتُ طلَبها هذا في العديد مِن المرّات، مع أنّنا لَم نُعامِلها كغريبة أبدًا، بل اعتبرَناها واحِدة منّا، خاصّة أمّي التي كانت تكنُّ لها مودّة خاصّة لأنّها ابنة أخيها المرحوم، ولأنّها وحيدة في هذه الدنيا. فوالدتي كانت تشفِقُ على مَن هم وحيدين أو فقراء أو معوّقين، وتُساعدهم إمّا ماليًا أو بالوقوف إلى جانبهم.

وفي سنتي الجامعيّة الأخيرة، تعرّفتُ إلى أسعَد، أحَد زملائي في الكلّيّة، ووقعنا في الحبّ. وكانت ناهِدة طبعًا حافِظة أسراري، لكنّها لَم تُحبِّذ تلك العلاقة بعد أن تعرّفَت على حبيبي، فقالَت إنّه ليس وسيمًا أو غنيًّا كفاية، بل غليظ، مُضيفةً أنّني أستحِقّ أفضل منه. لكنّني لَم أسمَع منها، بل تمَّت الخطوبة وبدأنا نُخطِّط للزواج.

ثمّ شعَرتُ بأنّ أسعَد يبتعِد عنّي، وردَدتُ الأمر إلى انشغاله بوظيفته الجديدة، أو أنّه خافَ مِن الارتباط، كما يحصلُ للعديد. بعد فترة، وجدتُ بِدوري عمَلًا جيّدًا، وكنتُ فخورة بنفسي إذ أنّ تلك الشركة وظّفَتني بِراتب عالٍ مع أنّني لَم أكن أملكُ أيّة خبرة سابِقة، بل تخرّجتُ لتوّي مِن الجامعة. تفاجأتُ بردّة فعل خطيبي الذي شعَرَ بأنّني أتفوّق عليه، وخافَ أن يُسبِّب راتبي مشاكل بيننا في المستقبل. طمأنتُه وعدتُ إلى التركيز على تحضيرات الزواج بفرَح وحماس.

فاتحَني أسعَد بعد حين بأنّه يودّ تأجيل الزواج لأسباب شخصيّة، لكنّه لَم يُعطِني تفاصيل إضافيّة، فانتابَني الخوف الشديد وحاولتُ حَمله على التكلّم إلّا أنّه بقيَ صامتًا. إحترمتُ رغبته بالسكوت ووافقتُ طبعًا على التأجيل، فليس بإمكاني أو بنيّتي إرغامه على شيء لا يُريدُ فعله.

وبعد ثلاثة أسابيع، فسَخَ أسعَد خطوبتنا طالِبًا منّي إعادة حُلى الخطوبة له. صدمتي كانت عظيمة، وشكرتُ ناهِدة كثيرًا على دَعمها لي في تلك الفترة العصيبة، فلولاها، لغرِقتُ في كآبة عظيمة، واعترفتُ لها أنّها كانت على حقّ برأيها بأسعَد، ويا لَيتني سمِعتُ منها، لتفادَيتُ وجَع القلب. أمّي هي الأخرى شكرَت ناهِدة على تفانيها لي، "لأختها" كما سمّتها، واستطعتُ بعد فترة تخطّي فسخ الخطوبة، خاصّة بسبب عمَلي الجديد الذي كان يتطلَّب تركيزًا كبيرًا مِن قِبَلي، هذا إن أردتُ عدَم خذلان مديري الذي آمَنَ بي ووظّفَني.

كانت قد مرَّت على تلك الحادثة المؤسِفة حوالي الثلاثة أشهر، حين أخبرَتنا ناهِدة أنّها ذاهبة إلى أوروبا لفترة قصيرة لرؤية صديقة قديمة. تفاجأتُ بالخبَر، إذ أنّنا لَم نسمَع قط بتلك الصديقة قَبل ذلك، وحسبناها لا تعرفُ أحَدًا حيث عاشَت وهي صغيرة. إلّا أنّنا تمنَّينا لها رحلة آمِنة ومُمتِعة.

لكنّ ناهِدة لَم تعُد إلينا... لأنّها تزوّجَت أسعَد وعاشا في الشقّة التي زيّنتُها لتكون عشّنا الجميل!

في البدء لَم أُصدِّق الخبَر لكثرة فظاعته، ثمّ سمعتُه مِن مصادر عديدة، فانهارَ عالمي! يتركني خطيبي ومِن ثمّ تتزوّجه التي اعتبرتُها أختي؟؟؟ ما هذا الكمّ مِن الأذى؟!؟ وأغرب ما في الأمر، هو أن أمّها حضَرَت الفرَح! كيف ذلك وهي ميّتة؟؟؟

خطَر ببالي أنّ تقاربًا حصَلَ بين ناهِدة وأسعَد حين أرادَت فَهم أسباب تَركه لي، وأنّها حتمًا حاولَت تغيير رأيه، لكن انتهى المطاف بهما مُتزوّجَين. تلك الفرضيّة كانت قد سهّلَت عليّ قبول ذلك الواقع المرير، لأنّها أبعدَت عنّي فكرة مكرٍ ما مِن قِبَل ناهِدة. لكنّني كنتُ مُخطئة تمامًا!

ففي أحَد الأيّام، دعاني مديري إلى مكتبه وطلَبَ منّي إغلاق الباب ورائي جيّدًا، ففهمتُ أنّ الأمر جدّيّ للغاية وبدأ قلبي يخفقُ بقوّة. لَم أكن أعلَم أيّ هفوة ارتكبتُها في عمَلي، مع أنّني كنتُ موظّفة مثاليّة. لكنّ الرجُل قالَ لي:

ـ وصلَني بواسطة الموظّفين أنّ خطيبكِ السابِق ينشرُ أخبارًا سيّئة عنّي.

 

ـ وما شأنه بكَ؟ هل تعرفُه شخصيًّا؟ وما دخلي أنا؟

 

ـ دعيني أكمِل مِن فضلكِ... على ما يبدو، هو يظنُّ أنّني وظّفتُكِ مِن دون خبرة وبراتب عالٍ لأنّني... لأنّنا...

 

ـ لأنّنا ماذا؟؟؟

 

ـ على علاقة حميمة!

 

ـ ما هذا الكلام؟!؟

 

ـ أجل... وتلك الإشاعة تُسيء إلى مهنيّتي وزواجي! لذلك عليّ الاستغناء عن خدماتكِ على الفور. أنتِ مطرودة!

 

لَم يُغيّر مديري رأيه حتّى بعد أن توسّلتُ إليه كثيرًا، فأخذتُ أمتعتي وتركتُ المكان فورًا. بكيتُ بشدّة وأنا أقودُ سيّارتي إلى البيت، لكنّني غيّرتُ وجهتي فجأةً وقصدتُ مقرّ عمَل أسعَد لأواجِهه! وحين هو رآني، حاوَلَ أن يتفاداني، لكنّني وعدتُه بأنّني سأُحدِثُ فضيحة كبيرة إن هو لَم يُجِبني على أسئلتي بخصوص الإشاعات التي بثَّها حولي والمُدير. هو قالَ لي:

ـ ليست إشاعات... بل ناهِدة هي التي أخبرَتني عن تلك العلاقة... منذ البدء هي كانت تُحذِّرُني مِن سلوككِ المُنحَلّ لكنّني لَم أُصدِّقها، إلى أن نِلتِ تلك الوظيفة بطريقة عجائبيّة، وفهمتُ منها كيف تمّ توظيفكِ، أيّتها الفاسِقة!

 

صفَعتُ أسعَد بقوّة صارِخة:

ـ أنتَ الفاسِق! أنا أشرفَ منكَ ومِن ناهِدة بألف مرّة! كيف تُصدّق إنسانة غريبة مِن دون أن تتحقّق مِن كلامها... ومِن ثمّ تتزوّجها؟!؟

 

ـ هي تعرفُ الكثير عنكِ وعنّا، وصدّقتُها لأنّها فسّرَت لي لماذا وظَّفَكِ ذلك المُدير. فكيف تحصلين على وظيفة أفضل مِن وظيفتي وراتِب أعلى؟؟؟

 

ـ هو وظّفَني لأنّهم كانوا بحاجة ماسّة إلى شخص بمواصفاتي، وأعطوني راتِبًا عاليًا لأقبَل عرضهم. ولا تنس أنّني حصلتُ على علامات مُمتازة في الجامعة، على خلافكَ يا عزيزي، فعلاماتُكَ كانت مُتوسِّطة جدًّا! وعلى ما يبدو، ذكاؤكَ أيضًا مُتوسِّط، لا بل دون المُعدّل! على كلّ الأحوال، هنيئًا لكَ بناهِدة، فهي كانت على حقّ بشيء واحد في ما يخصّكَ: أستحقّ بالفعل أفضل منكَ!

 

إرتحتُ كثيرًا بعد تلك المُحادثة، ورحتُ أرتمي في أحضان أمّي التي طلبَت منّي السماح، فإن حصَلَ ذلك لي، هو بسببها لأنها أشفقَت على ناهِدة التي ادّعَت أنّها وحيدة ويتيمة الأبوَين، في حين كانت أمّها لا تزال حيّة. فمِن الواضح أنّ تلك الأخيرة أرسلَتها إلينا لتحظى إمّا بالمال أو بمَن يصرفُ عليها وعلى عِلمها وكلّ ما تحتاج إليه. أمر غير مُستغرَب مِن قِبَل امرأة تُعاشِرُ رجُلًا مُتزوِّجًا وتُنجِبُ منه ابنة غير شرعيّة. وتبيّنَ أنّ ناهِدة ناكِرة الجميل لأقصى درجة، فهي ليست فقط ضحِكَت علينا واستغلَّتنا، بل كانت تكرهُنا، وتكرهُني بالذات لتأخذ منّي خطيبي وتنشرُ حولي الأقاويل المُسيئة.

لا يزال أسعد مُتزوِّجًا مِن ناهِدة بالرغم مِن الذي قلتُه له، فمِن الظاهِر أنّهما بالفعل وُلِدا ليكونا سويًّا. أمّا بالنسبة لي، فاليوم أنا مُتزوِّجة وأمّ سعيدة، ولَم أعُد آبَه لهما!

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button