كلّ شيء بدأ حين صارَ الإنترنت مُتاحًا للجميع واستطاعَ عادِل زوجي يتصفَّح مواقِع يعمُّ فيها الانحلال الخُلقيّ. في البدء، لَم أعرِف ما يفعله زوجي على هاتفه، خاصّة أنّه كان يطلقُ العنان لهوايته الجديدة إمّا في مكان عمَله، أو في أغلَب الأحيان بعد أن أنام، وهو مُستلقٍ بِجانبي. حسبتُه يتبادَل الكلام مع أصدقاء له في المهجر، كما قالَ لي ليُبرّرِ بقاءه ساهِرًا حتّى الصباح، فشرَحَ لي أنّ فرق التوقيت بينه وبين هؤلاء يُجبِره على السهَر.
والشيء الآخَر الذي كنتُ أجهله، هو أنّ عادِل كان يدفَع المبالِغ للحصول على المُشاهدات، لأنّها طلَبات خاصّة تُلبّيها سيّدات عبر الفيديو، أكان ذلك بِبَثّ مُباشَر أو فيديو مُسجَّل.
قد يظنّ البعض أنّ زوجي كان يبحث عمّا لا يحصل عليه في البيت، لكنّني لَم أمتنِع يومًا عن القيام بواجباتي الزوجيّة، حتّى بوجود ولدَين صغيرَين، وحتّى لو أنّني لَم أكن راضية. لِذا، لَم يكن لعادِل أيّ عذر للقيام بما يفعله والذي اعتبرتُه خيانة. أجل خيانة بكلّ ما للكلمة مِن معنى، فالإدمان على الصوَر أو الأفلام الإباحيّة يعني أنّ الرجُل الذي تزوّجتُه يرغب بجسَد امرأة أو نساء أخريات ويتخايل أمورًا حميمية معهنّ. إذ لَم تكن هذه خيانة، فما تكون؟
كيف اكتشفتُ كلّ شيء؟ كسائر الزوجات: عبر هاتف زوجي. فبالرغم مِن أنّه كان يحترِس كثيرًا ويضَع كلمة سرّ يُغيّرها كلّ أسبوع، ولا يفتَح هاتفه إلّا حين يكون بعيدًا عنّي، وبعد أن وضَعَ على الشاشة ذلك اللاصِق الذي يمنَع أيًّا كان مِن رؤية ما يتفرَّج عليه صاحبه، بالرغم مِن كلّ ذلك، كُشِفَ أمره.
فذات يوم، عندما كنّا نستقبِل في بيتنا ثنائيًّا مِن أصدقائنا، طلَبَ صديقُنا مِن ولَدنا البِكر التقاط صورة لنا جميعًا، فأعطاه عادِل هاتفه والتقَطَ ابننا بعض الصوَر، لكن بدلًا مِن أن يُعيد الهاتف لأبيه، أعطاه لي. وكان الصغير قد كبَسَ سهوًا على تطبيق ما، فبانَت صوَرًا شكرتُ ربّي أنّه لَم يرَها. ومِن ملامحي، فهِمَ عادل أنّني وقعتُ على سرّه، فأمرَ الولَد بأخذ الهاتف منّي وإعادته له، لكنّني أخذتُ الهاتف إلى غرفتي وأقفَلتُ الباب بالمفتاح. وأثناء تفحّصي وتصفّحي للتطبيق، ترَكَ زوجي ضَيفَنا وبدأ يُخبِط على الباب، لكنّ ابننا الأصغر بدأ بالبكاء، فاضطرَّ عادِل لِحمله وإسكاته والعودة إلى الصالون.
والذي رأيتُه في هاتف عادِل جمَّدَ الدمّ في عروقي، إذ أنّه كان يُراسِل تلك المرأة العربية المُقنّعة، طالِبًا منها أن تفعل أمورًا أعجزُ عن وصفها، وهي تُلبّي كل أمنياته مُقابِل مبالغ مِن المال تزايدَت عبر الزمَن لتصِل لأرقام لَم أتصوّر أنّ بإمكاننا دَفعها. فالجدير بالذكر أنّنا بالكاد كنّا قادرَين على تسكير أقساط مدرسة ولدَينا، ولَم نتمكّن مِن الخروج إلى أيّ مكان منذ أكثر مِن سنة. إضافة إلى ذلك،. تعذَّرَ على عادِل شراء الهدايا لي أو صغيرَينا في المُناسبات، لأسباب مادّيّة. وها هو يصرفُ المبالِغ على تلك الفاسِقة!
وعندما إنتهَيتُ مِن رؤية ما رأيتُه وتصوير تلك المعلومات القذِرة بواسطة هاتفي، ورحيل ضَيفَينا، فتحتُ باب الغرفة ورمَيتُ الهاتف بوجه عادِل قائلة بنبرة صوت جدّيّة: "إبتداءً مِن الليلة، ستنام في الصالون أو مع ولدَينا، فلَم يعُد بإمكاني النوم بالقرب مِن شخص مُشمئزّ مثلكَ".
نظَرَ عادِل إلى الأرض وتمتَمَ كلمات شبيهة باعتذار خجول، إلّا أنّني أقفلتُ الباب بوجهه. في الصباح، كان زوجي قد ذهَبَ إلى عمَله وولدانا إلى المدرسة، فرحتُ إلى حماتي شاكية. وبعد أن أخبرتُها عمّا إكتشفتُه هي قالَت لي:
ـ وكأنّكِ قصَّيتِ لي ما مرَرتُ به مع زوجي، رحمه الله. لكنّه كان يُقابِل تلك النساء شخصيًّا، لأنّ الإنترنِت لَم يكن موجودًا.
ـ ماذا؟ عمّي كان يخونكِ؟؟؟
ـ أجل... طوال زواجنا وحتّى مماته... ليُسامحه الله!
ـ لكن... إعتقدتُ أنّكما ثنائيّ مُثاليّ!
ـ حفظتُ ماء الوجه مِن أجل أولادي... فما ذنبهم بقذارة أبيهم؟
ـ ماذا أفعل؟ لا أُريدُ أن أقضي حياتي وأنا أُمثِّل دور الزوجة السعيدة!
ـ ليس مِن المفروض أن تُمثّلي دور الزوجة السعيدة، بل أن تكوني بالفعل سعيدة، فما نفع الزواج إذًا؟
ـ ما العمَل؟؟؟
ـ عليكِ أن تتكلّمي معه وتعرفي لماذا يفعلُ ذلك، فقد يكونُ له عذر.
ـ أيّ عذر تتكلّمين عنه؟ حياتنا الحميمة جيّدة جدًّا ونحن على وفاق تام على كلّ الأصعدة!
ـ أو هكذا تظنّين. تكلّمي معه واطلبي منه أن يتوقّف عمّا يفعله. وإن لَم يتغيّر، عندها...
ـ عندها؟
ـ عندها لا تفعلي ما فعلتُه، بل تصرّفي. فلقد ذهبَت حياتي سدىً... كنتُ أبكي في الليالي لأستطيع أن أبتسِم في النهار. خسِرتُ نفسي وأيّامي مِن أجل رجُل معدوم الأخلاق، وكلام الناس، وخوفي على أولادي. سألتُ نفسي ألف مرّة لماذا ولِدتُ، هل لأُسعِدَ الآخَرين فقط؟ إن كان الجواب نعم، فتبًّا لهذه الحياة!
حزِنتُ على حماتي كثيرًا، فلَم أتوقّع أبدًا أن تكون تعيسة لهذه الدرجة، ووعدتُ نفسي ألّا أصبَح يومًا مثلها.
إتّصلتُ بعادِل طالبِة منه موافاتي إلى مقهىً بعد دوامه، فكان علينا أن نتكلّم. وصَلَ زوجي إلى الموعد والخوف في عَينَيه. وحين هو جلَسَ قبالَتي، سألتُه:
ـ لماذا؟ لماذا تدفع المال لتغويكَ نساء بلا شرَف وتفعل ما تفعله أثناء مُشاهدتكَ لهذه الفيديوهات؟ ألا أكفيكَ؟
ـ بلى... لكنّكِ زوجتي... فأنتِ قلتِها، نساء بلا شرَف... وأنتِ، ملاكي.
ـ كفى أعذارًا! تُريدُ إفهامي أنّكَ تحترمُني لدرجة أنّكَ تتفاعَل جنسيًّا مع أخريات؟ ما هذا الاحترام!
ـ لَم أقصد ذلك تمامًا.
ـ إخرَس! أجل، أنا امرأة شريفة وجديرة بالاحترام، وهكذا يجب أن ترى كلّ امرأة، وليس فقط أنا! كيف تسمح لنفسك بالتفكير بمثل هذه الأمور البذيئة؟ كيف تتصوّر حتّى معاملة امرأة هكذا؟ هل النساء عبارة عن قطعةٍ من اللحم لتفعل بها ما تشاء؟ فمِن الواضح أنّه ليس لديكَ أيُّ احترام، ليس لي فقط، بل لبنات جنسي أيضًا! قُل لي، هل أفكاركَ تُرضي الله؟!؟ أجِبني!
ـ لا، طبعًا... ولكن...
ـ مُجتمعكَ الذكوريّ أقنعَكَ أنّ بإمكانكَ مُعاملة المرأة بطريقة قذِرة مُقابل المال.
ـ هنّ تقبلنَ بذلك!
ـ أجل، لأنّهنّ بحاجة إلى المال، ولأنّهنّ تستغلنَ ضعفكم وقذارتكم! الاتّصال الجسديّ بين الرجُل والمرأة يجب أن يكون مُقدّسًا بالحبّ والاحترام والتضحية، وكلّ شيء آخَر هو قذِر! إفهَم أنّني فقدتُ كلّ احترام لكَ!
ـ لا! لا تقولي ذلك! إسمعي، أنا لَم أخُنكِ، بل فقط...
ـ ماذا؟؟؟ بلى خنتَني... خنتَ الرباط المُقدّس الذي بيننا المبنيّ على الثقة والنزاهة والصدق، خنتَ حياتنا الحميمة حين اشتهَيتَ غيري، خنتَ عائلتنا التي يجب أن يرأسها أب وزوج نظيف، خنتَ مالنا الذي حرمتنا منه لتصرفه على شهواتكَ. أليس كلّ تلك الأمور خيانات؟!؟
ـ للصراحة لَم أرَ الأمور مِن هذه الناحية. أعدُكِ بأنّني سألغي التطبيق إلى الأبد!
ـ إسمَع... أنا على وشك ترككَ لأنّني لَم أعُد أرى مِن داعٍ للبقاء معكَ، خاصّة مِن الناحيّة الحميمة، فصِرتَ مُشمئزًّا بالنسبة لي.
ـ لا تقولي ذلك، أرجوكِ! سأتوقّف، أقسمُ لكِ!
ـ سنرى... سنرى، لكن اعلَم أنّني اليوم، ولوقت غير مُحدَّد، لا أحبُّكَ.
بدأ عادِل بالبكاء والتوسّل، فأضفتُ: "إذهب إلى طبيب نفسيّ واعلَم منه مِمّا تشكو... فميولكَ ليست صحّيّة!".
ألغى عادِل التطبيق مِن هاتفه وأعطاني رمزه السريّ وصارَ الزوج المثاليّ... إلى حين صارَ يغيبُ بعد دوامه ويصلُ مُتأخِّرًا إلى البيت بعذر أنّه يذهب إلى جلساته مع المُعالج النفسيّ. لكنّني لَم أُصدِّقه، خاصّة عندما سألتُه عن اسم المُعالِج وعنوان عيادته، وتلبّكَ. نظرتُ إليه باشمئزاز وقلتُ له:
ـ أُريدُكَ خارج البيت في الصباح... إذهب إلى إحدى تلك النساء، فأنتَ لا تستحقّني! أعطَيتُكَ فرصة لا تعوَّض، لكنّ إدمانكَ كان الأقوى. ولو رحتَ تتعالَج بدلًا مِن مُعاشرة هكذا نساء، لَتمكّنا مِن تربية ولدَينا سويًّا.
تطلَّقنا بعد فترة وأخذتُ ولدَينا. لستُ مهمومة بشأنهما، فسيربيا معي بأمان وعلى قيَم متينة، ولِمَن سيقولُ لي إنّهما سيكبران بلا أب سأُجيبُ: "إحسبوه مات! ألن يربيا مِن دونه؟ أم أنّ أمًّا تعيسة وأبًا مُنحلّ أخلاقيًّا أفضل؟".
حاورتها بولا جهشان