يوم ماتَت نهاد عمّتي وعمِلتُ على ترتيب أغراضها لتوزيعها على جمعيات خيريّة كما أوصَتني وهي في أيّامها الأخيرة، إكتشفتُ علبة حديدية مُخبّأة في قعر خزانتها. أخذتُها إلى غرفتي ونظرتُ إليها مِن دون أن أفتَحها، فشيء قالَ لي إنّ محتواها شخصيّ للغاية وإلّا لرأيتُ تلك العلبة مِن قَبل. فالجدير بالذكر أنّني ربيتُ مع عمّتي في بيت جدّتي طوال حياتي تقريبًا بعدما ماتَت والِدتي وسافَرَ أبي للعمَل في الخارج حيث وضعَني ونساني بسرعة، وأشكرُ ربّي أنّ جدتي وعمّتي كانتا امرأتَين مُحبّتَين، فاهتمّتا بي جيّدًا وعوّضتا لي عن فقداني أمّي. بعد سنوات، توفيّت جدّتي ولَم يستطِع أبي حضور دفن أمّه بسبب سفَره إلى بلدان بعيدة بداعي العمَل. فبقيتُ لوحدي مع نهاد وبتنا حقًّا كالابنة وأمّها.
رحيل عمّتي تسبَّبَ لي حزنًا عميقًا إذ أنّني فقدتُ الإنسانة الوحيدة التي أحبَّتني حقًّا. كنتُ آنذاك في العشرين مِن عمري وشعرتُ بضياع كلّي. جاءَ أبي لحضور دفن أخته واصطحَبَ معه عائلته الثانية المؤلّفة مِن زوجة وثلاثة أولاد، وبالكاد ألقى التحيّة عليّ ليعود ويجلس مع الذين أحبَّهم أكثر مِمّا أحبَّني. لَم أزعَل، فذلك الرجُل لَم يعُد أبي منذ سنوات، بل فقط رجُل أتشارَك معه جينات بيولوجيّة.
تركتُ العلبة الحديديّة على الطاولة الموجودة قرب سريري، لكنّني لَم أتوقّف عن التفكير بها وبمحتواها، فماذا لو أنّ نهاد تركَت فيها شيئًا مُهمًّا لي؟ لكنّها لَم تذكرها قط أثناء مرضها أو تُلمِّح لي بأنّها مُخصَّصة لي.
عدتُ إلى جامعتي على أمَل أن أستعيدَ حياة طبيعيّة بعض الشيء، لكن حين كنتُ أرجع مساءً إلى ذلك البيت، كنتُ أشعرُ بالوحدة العميقة. لِذا قرّرتُ إيجاد عمَل، خاصّة أنّ القليل مِن المال الذي تركَته عمّتي لي لن يدوم طويلًا.
وجدتُ عمَلًا في أحَد المحلّات، الأمر الذي جلَبَ لي بعض الترفيه، إلّا أنّني لَم أنسَ نهاد… أو العلبة. فذات مساء، قرّرتُ فتحها. تصوّرتُ أمورًا كثيرة بالنسبة لمحتواها، إلّا أنّني لَم أجِد فيها سوى رسائل. ومِن ختم البريد الموجود عليها، علِمتُ أنّها تعود إلى سنوات بعيدة. لكنّني تفاجأتُ بأنّها مُرسَلة مِن أبي وموجّهة إلى نهاد. لماذا هذا العدَد من الرسائل المُخبّأة جيّدًا؟
جلستُ على سريري وبدأتُ أقرأ. أوّل رسالة كانت تحتوي على أمور عادّيّة، فأخبَرَ أبي خلالها أخته عن أحواله في المهجر بعد وصوله، لكنّه أعرَبَ عن اشتياقه لي وقلَقه على تقبّلي العَيش مِن دونه. إبتسَمتُ، فكان على ما يبدو لا يزال يتذكّرُني آنذاك ويخاف على مشاعري، هذا قَبل أن ينساني بصورة دائمة.
الرسائل التالية كانت شبيهة بالأولى، إلّا أنّها كانت تتحدّث أكثر عنّي وعن خوفه عليّ. هو شدَّدَ على ضرورة تمكّنه مِن النجاح في عمَله وبسرعة، كَي يأخذني إليه. لماذا غيّرَ رأيه؟ هل لأنّه تعرّفَ إلى تلك المرأة التي تزوّجها؟ لكنّه لَم يذكرها قط.
بعد ذلك، تغيّرَت لهجة الرسائل، فهو صارَ يُطالِبُ بي ويرفضُ العَيش مِن دوني، ويحثُّ عمّتي على إرسالي له لأنّه بدأ يجني ما يكفي للاعتناء بي. أمر غريبٌ، فلَم يذكر أحَد أمامي أنّ أبي طالَبَ بي!
فتحتُ بسرعة باقي الرسائل، وقرّأتُ كلّ واحِدة منها مرّتَين لأتأكّد مِن معناها. ففيها، قالَ والدي إنّه يتفهّم حاجة نهاد لي، وأنّني كما هي ذكرَت له برسالتها إليها، أُمثِّلُ بالنسبة لها الابنة التي لَم تُرزَق بها، وأنّه يعترفُ بتضحياتها مِن أجله حين كانا مُراهقَين، إذ أنّها كانت تدفعُ له أقساط مدرسته ولاحقًّا جامعته. إلّا أنّه كان مُصِرًّا على أخذي إليه.
بدأَت يدايَ ترتجفان لدرجة أنّني لَم أعُد قادِرة على قراءة شيء. فوضعتُ رزمة الرسائل جانبًا ورحتُ أشربُ كوبًا مِن الماء. ما الذي جرى بين هذَين الشخصَين حقًّا؟ ومتى توقّفَ أبي عن المُطالبة بي؟ إرتحتُ قليلًا، وقرّرتُ مُتابعة القراءة، مع أنّ الوقت صارَ مُتأخِّرًا جدًّا، لكن كيف أنام قَبل أن أحصل على أجوبة لتساؤلاتي؟
فتحتُ الرسالة التالية وقال فيها أبي إنّه لا يفهم كيف ترفضُ عمّتي تسليمي له، ووعدَها بأنّه سيأتي ويأخذني بالقوّة إن لزِمَ الأمر. تفاجأتُ لهذا الإصرار، فلَم أشكّ يومًا بأنّه كان بالفعل مُتعلِّقًا بي!
لكن المُفاجأة الكبرى أتَت بالرسالة التي تلَت، فأعرَبَ أبي عن أسفه الشديد لقراءة رسالة... مِن يَدي تقولُ إنّني لا أُريدُ الذهاب إليه، بل البقاء مع عمّتي وجدّتي، وما هو أهمّ، أنّني أكرهُه لِدرجة لا توصَف! ماذا؟؟؟ أنا لَم أكتب أيّة رسالة لأبي في حياتي! ولَم أعلَم أنّه كان يُراسِل عمّتي، فهي كانت تُردِّد منذ الأوّل أنّه نسيَنا كلّنا وقطَعَ كلّ اتّصال معنا! ما هذا الهراء؟؟؟ بدأتُ أبكي واصرخ مِن الغضب في آنٍ واحِد بينما بدأَت الحقيقة تنقشِعُ شيئًا فشيئًا. هكذا إذًا... نهاد أقنعَت والِدي بأن يبتعِدَ عنّي لتحتفِظَ بي لوحدها!
في الرسائل الأخرى، بقيَ أبي يُردّد الكلام نفسه إلى حين قرأتُ أنّه جاءَ إلى البلَد ليتكلّم معي ويرى بنفسه لماذا أكرهُه لهذه الدرجة ولماذا أرفضُ رؤيته والعَيش معه، إلّا أنّه لَم يجِد أحَدًا في البيت لأيّام عديدة، فعادَ أدراجه. وبمُقارنه التواريخ، تذكّرتُ أنّ عمّتي وجدّتي أخذَتاني إلى ما وراء الحدود للمكوث لبضعة أيّام عند أقرباء لهما. كان ذلك خلال الفرصة الصيفيّة وأتذكّر أنّني استمتعتُ بوقتي كثيرًا مع هؤلاء الناس وأولادهم، إذ أنّ لَم يكن لدَيّ أصدقاء لأنّ عمّتي لَم تكن لتسمَح لي بمغادرة البيت إلّا للذهاب إلى المدرسة. هل كانت تخاف أن يأتي والدي ويأخذُني منها؟
في الرسائل المُتبقّية، قال أبي إنّه سئِمَ واستسلَم بعد كلّ تلك السنوات وينوي الزواج مِن جديد وتأليف عائلة خاصّة به. وأوصى نهاد بالاهتمام بي لأقصى درجة وإخباري كَم هو أحبَّني وسيظلّ يُحبُّني إلى الأبد. وبالطبع هي لَم تنقل لي كلامه هذا، بل بقيَت تقولُ لي إنّ أبي نسيَني وتزوّجَ لأنّه جبان ولا يستطيع أن يُحِبّ أحَدًا سوى نفسه.
مشاعري نحو عمّتي انقلبَت فجأة، فلَم أعُد حزينة لرحيلها، بل كان موتها السبب باكتشافي الحقيقة أخيرًا. وفهمتُ سبب جفاء أبي لي خلال مراسم الدفن، فهو يعتقدُ حقًّا أنّني أكرهُه ولا أُريدُه.
أعَدتُ الرسائل إلى العلبة وبدأتُ أستعِدّ للمرحلة القادِمة. رحتُ السفارة للتقديم طلَب الفيزا وحجزتُ تذكرتي بعد أن بعثتُ رسالة إلى أبي لأقولَ له إنّني آتية بغرَض مُلِحّ. هو رحَّبَ بقدومي، فطِرتُ إليه بسرعة آخذةً معي الرسائل كلّها.
كان والِدي بانتظاري في المطار، فوقفنا قُبالة بعضنا غير عالمَين ماذا علينا فعله، ثمّ هو اقتربَ منّي وقالَ بِخجل: "هل لي أن أضمَّكِ، يا صغيرتي؟". نزِلَت دموعي على خدَيَّ وأجبتُه: "يا ليتكَ تفعل!". بقينا مُتعانقَين لدقائق طويلة ثمّ ركِبتُ سيّارته وقادَ بي بصمت. لدى وصولنا إلى البيت وجدتُ زوجته وأولاده بانتظاري، وهم عانقوني أيضًا، فشعرتُ بالحرج إذ أنّني كرهتُ لسنوات تلك العائلة التي خلتُ أبي قد فضّلَها عليّ.
أخبرتُ الكلّ عن اكتشافي وأرَيتُهم الرسائل وبدأ أبي بالبكاء بقوّة صارِخًا: "أيعني ذلك أنّكِ لَم تكرهيني؟!؟". هدّأَته زوجته، ثمّ أجبتُه:
ـ خلتُكَ تخلَّيتَ عنّي يا بابا... سامحني!
ـ الحقّ يقَع على نهاد... فهي اعتقدَت أنّ بأخذكِ ستسترجِع السنوات التي قضَتها تُساعدني على بناء مستقبلي... دَين خالَت أنّها تستحقّ المُطالبة به. ربّما هي أرادَت ابنة خاصّة بها لأنّها لَم تتزوّج بسبب تضحياتها لي، لكن أن تحرمَني منكِ لسنوات، فهذا غير مقبول! لكنّها ماتَت، ولا يسعَني مُحاسبتها، بل فقط الدعاء لراحة روحها وأن يُسامحها الله على الأذى الذي تسبَّبت به لكِ ولي. ماذا تنوين فعله الآن؟ لا تقولي لي إنّكِ سترحلين بعيدًا مِن جديد؟!؟
ـ عليّ العودة إلى البلَد، فلدَيّ حياتي هناك، لكنّني سأرجع إلى هنا كلّما أُتيحَت لي الفرصة، أعدُكَ بذلك.
ـ لن أقبَل بأن تُفرِّقنا الحياة مِن جديد. عودي لفترة قصيرة، وسأبحثُ لكِ عن عمَل هنا، بيعي البيت وودّعي أصدقائكِ، فمكانكِ معنا!
أنا اليوم أعيشُ مع أبي وعائلته وفي كلّ يوم نقضيه سويًّا، نحاوِل التعويض عن الوقت الذي سُرِقَ منّا بسبب أنانيّة امرأة حسِبَت نفسها مسؤولة عن مصير شخصَين لَم يكن مِن المفروض أن يفترِقا.
حاورتها بولا جهشان