سارِق القلوب… والبيوت!

تزوّجتُ لأبنِيَ عائلة وأُحِبّ التي اختارَها قلبي إلى الأبد، لكنّ اختياري وقَعَ على الإنسانة غير المُناسبة، ربّما لأنّني كنتُ أفتقِدُ الخبرة في الناس بعد أن قضَيتُ أيّامي في الدرس لأصبحَ طبيبًا وأُحقِّقَ حُلم والِدي الذي كان مُمرِّضًا طوال حياته. فهو كان يطمَح للوصول إلى مهنة طبيّة ولَم يفلَح كفاية لِيُنادوه "دكتور".

وبعد أن تخرّجتُ مِن الجامعة أخيرًا وصِرتُ جرّاحًا بفضل تضحيات أبي وأمّي وإخوَتي الذين ساهموا جميعًا بمصاريف دراستي الطويلة والمُكلِفة، كان قد حانَ الوقت لأردَّ الجميل. لِذا فتحتُ عيادة في أفخَم الشوارع وبدأتُ مسيرتي المهنيّة على أمَل ألّا أُخيّب ظنّ أحَد. تعاقدتُ مع المستشفى الجامعيّ، وبدأ يأتي المرضى إليّ، وسرعان ما صارَ أسمي معروفًا بسبب مهارتي وقلبي الكبير. فلَم أكن أركضُ وراء الربح، بل إراحة الناس مِن أوجاعهم وإطالة أعمارهم قدر المستطاع. وفّقَني الله بسرعة، فتصوّر لي أنّه سيوفّقُني أيضًا بصبيّة تُشبهُني. ويوم التقَيتُ بسهام وأعجبَتني، قرّرتُ مواعدتها لتكون زوجتي.

كانت سهام ابنة جرّاح كنتُ أكنّ له احترامًا كبيرًا إذ أنّه علّمَني الكثير في بداية مسيرتي. هو اعتبرَني بمثابة ابنه وأحبَّني لِدرجة أنّه أرادَ أن أصبِحَ صهره. كلّمَني الجرّاح عن ابنته ومدَحَ فيها كثيرًا، فقبِلتُ أن أتعرّف عليها خلال عشاء أقامَه في بيته. وقعتُ تحت سحر سهام وجمالها، لكنّني افتقدتُ معها لحديث جَدّيّ إذ أنّها بقيَت صامِتة مُعظم الوقت. خلتُ أنّها لَم تُعجَب بي، إلّا أنّها قبِلَت أن نتقابل مُجدّدًا وابتسمَت لي. وبالفعل، إلتقَينا بعد أيّام في أحَد المطاعم حيث تناولنا العشاء سويًّا، وأمضَينا وقتًا مُمتِعًا لأنّنا تبادَلنا الأفكار ووجدتُ أنّ تلك الصبيّة ذكيّة وتتمتّع برقّة مُميّزة. ثمّ بدأنا نتواعد باستمرار إلى حين تمَّت الخطوبة وسط فرحة عائلتَينا.

بعد ذلك، حضَّرنا للعرس وكان الحفل ضخمًا وضمَّ عدَدٌ هائلٌ مِن الناس، مُعظمهم مِن معارِف أب سهام الذي أصرَّ على دفع كلّ التكاليف. سافَرنا إلى شهر عسَلنا وعُدنا لنعيش في شقّتي الجميلة.

لدى عودتنا، لَم أُلاحِظ تغيّرًا في مزاج سهام التي بقيَت بارِدة معي خلال شهر العسَل وقامَت بواجباتها الزوجيّة معي وكأنّها بالفعل واجبات. صحيح أنّنا إستمتعنا بوقتنا حيث كنّا أثناء قيامنا بنشاطات عديدة، لكنّني لَم ألمُس منها أيّ تقارب عاطفيّ. أمِلتُ أن تجلبَ حياتنا الزوجيّة بعض الدفء لقلبي الذي كان يطوقُ للحنان. على كلّ الأحوال، حين عدتُ إلى العيادة، إنشغلتُ كثيرًا بالمواعيد التي كانت قد تراكمَت أثناء غيابي ولَم أجِد الوقت للتفكير بزواجي.

سهام، مِن جهتها، كانت مشغولة بنشاطاتها الشخصيّة التي كانت تقومُ بها قبل الزواج، أيّ التلاقي مع صاحباتها وأهلها، والناديّ الرياضيّ وبعض الأعمال الخيريّة. فكنّا نتلاقى في المساء بعد أن تكون المُساعِدة المنزليّة قد قامَت بواجباتها مِن تنظيف وطهو وعادَت إلى منزلها. وفي تلك الساعات القليلة التي كنتُ أقضيها مع زوجتي، شعَرتُ وكأنّني مع صديقة لي وليس أكثر. ومع الوقت، صِرتُ أرجو أن يتّصلوا بي مساءً مِن المشفى بسبب حالات طارئة لأقضي أقلّ وقت مُمكن في مكان خالٍ مِن الحبّ والحنان.

أخبَرتُ أمّي عن وضعي وهي نصحَتني بأن أصبر، ففي العديد مِن الأحيان، يكبرُ الحبّ بعد الزواج. لكن لِيكبرَ الحبّ، يجب أن يكون موجودًا في بادئ الأمر، وصِرتُ شِبه مُتأكِّدٍ مِن أن سهام لَم ولا تُحبُّني.

وذات يوم سألَني أبوها عن حياتي الزوجيّة مع ابنته، فحاولتُ قدر المُستطاع إخفاء حزني وامتعاضي، إلّا أنّه لاحَظَ ذلك عليّ، فأصَرّ على أنّ أُصارِحه، فأخبرتُه كلّ ما يجري وما لا يجري. سكَتَ الرجُل للحظات ثمّ قال:

ـ إنّه ذلك الوغد!

 

ـ عمَّن تتكلّم؟

 

ـ ذلك الذي اسمه مازن! واعدَته سهام لفترة قبل أن نكتشِف علاقتها به! إنّه إنسان فاشِل مِن كلّ النواحي، ولا أدري ما وجدَت ابنتي فيه لتُغرَم به هكذا. لكنّني وضعتُ حدًّا لهذه المهزلة بسرعة!

 

ـ بتزويجها لي؟؟؟

 

ـ أجل! فلن أجِد أفضل منكَ لها!

 

ـ ألَم يخطر بِبالكَ أنّها لا تزال تُحبّه أو على اتّصال به؟ كيف تُقحِمُني بتلك المُصيبة؟ فابنتكَ لا تُحبُّني على الإطلاق!

 

ـ ستُحبُّكَ، لا تخاف!

 

ـ الحبّ لا يأتي بالإكراه، ليُسامحكَ الله! ماذا أفعل الآن؟ قُل لي!

 

ـ أنا سأتصرّف، لا عليكَ!

 

لَم يُعجِبني ذلك الحديث على الإطلاق، فحين عدتُ إلى البيت، واجهتُ زوجتي وهي بكَت قبل أن تعترِفَ لي أنّها لَم تكن تُريدُني، بل أرغمَها أبوها على الزواج منّي. شعرتُ بِحزن عميق، فكَم مِن الصعب أن يسمَعَ المرء مِن شريكته أنّها أجبِرَت على القبول به! ثمّ هي سألَتني عمّا أنوي فعله بشأن زواجنا، فأجبتُها أنّ عليّ أن أُفكِّر بالأمر قبل اتّخاذ قراري. لكن مِن جهته، تقابَل الأب مع ابنته وهدّدَها بشتّى العقوبات إن هي لَم تُغيّر أسلوبها معي وتُحاول نسيان مازن إلى الأبد. لَم أكن أعلَم بما دارَ بين الأب والابنة، فكيف لي أن أتصوّر أنّه سيُهدّدُها هكذا ويعِدُها بنكرانها إن قرّرتُ تطليقها وإعادتها إلى بيت أهلها؟ فما كان يدورُ في بالي بشأن زواجي كان أن نُحاوِل مرّة أخرى بعد أن أعلَم منها ما أعجبًها بحبيبها، فقد أستطيع أن أُقدِّم لها ما هي بحاجة إليه.

راحَت سهام تشتكي مِن أبيها لٍمازن الذي بقيَت على اتّصال معه هاتفيًّا، فغضِبَ ذلك الأخير. فإن أنكرَها أبوها، لن تعودَ لها أيّ منفعة له بعد أن تخسَرَ المال والجاه الذي يسعى وراءهما. لِذا، هو قرَّرَ منعي مِن تطليق سهام، واستعادتها منّي... بعد موتي. أجل، قرأتم جيّدًا، فإن صارَت سهام أرملة، ورثَتني ونالَت رضى والِدها وتصبح قادِرة على البقاء معه ولاحقًا الزواج منه.

تابَعتُ حياتي كالمعتاد، وعامَلتُ سهام مُعاملة رومانسيّة على أمَل أن أصِلَ إلى قلبها. هي الأخرى لَم تكن تعلَم بما يدورُ في بال مازن حيالي، لكنّها لَم تتجاوب معي لأنّها كانت بالفعل تُحبّه.

وذات يوم، وصلَني اتّصال مِن قسم الشرطة مفاده أنّهم ألقوا القبض على الذي اسمه مازن بتهمة التخطيط لِقتلي! تصوّروا تفاجئي، فركضتُ إلى القسم وجلَستُ مع المُحقِّق الذي قالَ لي:

ـ سيّدي... الفضل يعودُ إلى زوجتكَ التي قصدَتنا وأطلعَتنا على ما يُحاك ضدّكَ. فهي كانت على علاقة بذلك الرجُل قبل زواجها منكَ، وقطعَت تلك العلاقة إلّا أنّها بقيَت على تواصل معه عبر الهاتف وبعض التطبيقات. خطؤها كان أنّها أخبرَته عن تهديدات أبيها لها بشأنه، فقرّرَ التخلّص منكَ. هو لَم يُطلِعها في البدء عمّا ينوي فعله، لكن حين طلَبَ منها إيجاد طريقة للابتعاد ليلًا عن البيت، وجدَت الأمر مُريبًا فأصرَّت على معرفة السبب. عندها، هو قالَ لها إنّه ينوي دخول البيت لقتلكَ وإيهام الشرطة أنّها مُحاولة سرقة انقلبَت إلى جريمة. أضافَ إنّه يفعل ذلك مِن أجلها وأجلهما، فبموتكَ لن تستطيع تطليقها، بل ستصبح السيّدة سهام أرملة وتحصل على مالكَ وعلى رضى أهلها. وفور معرفتها بتلك الخطّة، توجّهَت زوجتُكَ على الفور إلى هنا لتبلِّغنا بما يُحاك، فألقَينا القبض على مازن.

 

ـ يا إلهي! كيف للناس أن تُقرِّر مصير إنسان هكذا؟؟؟

 

ـ المال، يا سيّدي... وهذا ما فهِمتَه زوجتكَ، فهي ظنَّت أنّ مازن يُحبُّها لنفسها، لكنّها إكتشفَت أنّه يسعى منذ الأوّل وراء المال والجاه.

 

ـ يعني ذلك أنّ سهام أنقذَت حياتي!

 

ـ أجل، فمازن إنسان سيّئ للغاية، وهو قضى فترة وراء القضبان بعد أن كان يدخلُ المنازل لِسرقتها. وأستطيع الجزم أنّه كان سيدخلُ بيتكَ بكلّ سهولة، فهو مُحترِف.

 

ثمّ دخلَت سهام مكتب المُحقّق وعلى وجهها علامات الخوف والخزيّ، إلّا أنّني عانقتُها شاكِرًا. ثمّ وعدتُها بأن أُنهي زواجنا إن شاءَت، فآخِر ما أردتُه كان أن أجبِرها على العَيش معي مِن دون حبّ. إلّا أنّها رفضَت الطلاق، بل قالَت: "لا... الشيء الوحيد الذي كان يمنعُني عن حبّكَ كان مازن ووعوده الكاذِبة... خلتُه يُحبُّني ويُريدُ إسعادي، إلّا أنّه أرادَ ما أملكُ، سامِحني أرجوكَ... ولو أردتَ أن أرحَل، فسأتركُ البيت الليلة."

قبّلتُ زوجتي أمام المُحقِّق الذي ابتسَمَ للمشهد، وأخذتُ زوجتي إلى بيتنا. لَم ننفصِل، بل أنجَبنا أربعة أولاد، وزواجنا هو أسعَد زواج على الإطلاق!

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button