حسِبتُ أنّ وليد زوجي سيوفي بوعده لي في ما يخصّ ابني، فهو أكّدَ لي قَبل الزواج أنّه سيهتمّ به ويُحبّه وكأنّه بالفعل ابنه. لكن بعد أن صِرتُ زوجته وسكَنّا معه، تغيّرَت الأحوال بسرعة. فتفاجأتُ بوليد يصرخُ بِولَدي عند أيّة هفوة، وبطريقة عدائيّة جدًّا، مع أنّه كان في ما مضى يتعامَل معه بِلطف ويعذره في غالِب الأحيان، لا بل يُدافِعُ عنه قائلًا: "إنّه ولَدٌ صغير، ولا يَعي ما يقولُه أو يفعله، لا تقسي عليه، يا حبيبتي". ما الذي تغيَّرَ فجأة؟ أم أنّه كان يُمثِّل دورًا سئمَ منه؟
فالواقع أنّني كنتُ أُربّي ابني لوحدي حين تعرّفتُ على وليد، بعد أن طلَّقتُ زوجي لأنّه لَم يكن الرجُل الذي أستطيع إكمال حياتي معه. فهو كان مُهمِلًا لواجباته وغير فالِح في عمَله، وواجَهنا صعوبات ماليّة كثيرة بسبب عدَم تقديره للعواقِب. فذلك الرجُل كان غير ناضِج، ويتصوّر أنّه قادِر على إنجاز أمور عديدة، حتّى لو كانت صعبة أو خارِجة عن نطاق معرفته. فكان ينكبُّ عليها ويصرفُ المال عليها، ليفشَل لاحِقًا، ليُفتِّش عن مُغامرة أخرى. طفَحَ كَيلي، فشعرتُ بالأعباء التي تراكمَت على كتفَيّ، فكنتُ أواجِه الحياة لوحدي، لِذا وجدتُ أنّ لا لزوم لِحَمل عواقِب أخطاء الذي تزوّجتُه، فتركتُه.
للحقيقة، إرتَحتُ كثيرًا بعد طلاقي، فصبَبتُ اهتمامي على عمَلي وابني، واستطعتُ التركيز على أولويّاتي مِن دون أن أخاف مِن تقلّبات زوجي السابِق وأحلامه البعيدة المنال. لَم أُفكِّر بالزواج مُجدّدًا، لكن إحدى صديقاتي عرّفَتني على وليد الذي أعجبَني مِن النظرة الأولى. هو الآخَر أُعجِبَ بي على الفور، فقلتُ له:
ـ إسمَع... عليكَ أن تعلَم أنّ لي ابنًا.
ـ أعرفُ ذلك، فصديقتكِ أخبرَتني عن زواجكِ وطلاقكِ وأمومتكِ، ولا مانِع لدَيّ، بل أُحِبّ الأولاد وأعدُكِ بأنّني سأكون أبًا صالحًا لابنكِ.
ـ حسنًا، لكن عليكَ التعرّف عليه أوّلًا... وأخذ موافقته!
جرَت الأمور بصورة جيّدة جدًّا بين وليد وابني الذي كان في الخامسة مِن عمره، فقرَّرنا الزواج بعد فترة. كنتُ سعيدة إذ أنّ وليد كان عكس زوجي السابِق تماما، أيّ أنّه يهتمّ بكلّ شيء ويُشعِرُني بالأمان.
وفور انتقالنا إلى بيت وليد، بدأ ذلك الأخير يتصرَّف وكأنّه الوحيد الذي لدَيه الحقّ بتقرير كلّ صغيرة وكبيرة، وبشكل استفزازيّ وصوت عالٍ. تفاجأتُ كثيرًا بذلك التغيّر، فأين ذهَبَ الرجُل الهادئ والمُحِبّ الذي اخترتُه لتمضية باقي حياتي معه وليكون الأب الثاني لِوَلَدي؟ ثمّ قلتُ لنفسي إنّه بحاجة إلى بعض الوقت ليتأقلَم لوجود سكّان آخرين في البيت بعد أن اعتادَ على العَيش لوحده في ذلك المكان.
لكنّ الأمور لَم تتحسّن، بل العكس. فصارَ ابني الحبيب محَطّ انتقادات عديدة وتنمّر دائم. حاوَلتُ إفهام صغيري أنّ زوج أمّه يُحِبّه بالرغم مِن تصرّفاته التي تدّل على عكس ذلك، لكنّني لَم أكن مُقتنِعة بالذي أقولُه.
بعد فترة، قالَ لي زوجي بغضب:
ـ أُريدُ طفلًا خاصًّا بي.
ـ هذا مِن حقّكَ، يا حبيبي. لكنّ الأمر ليس بِيَدي، بل بِيَد الله.
ـ أقولُ لكِ إنّني أُريدُ طفلًا مِن لَحمي ودَمي!
ـ صُراخكَ لن يحلَّ شيئًا، صدِّقني. قُل لي، لماذا هذه العدائيّة؟
ـ عمّا تتكلّمين؟
ـ مع ابني ومعي، لكن خاصّة معه. ألاّ تُحِبُّه؟
ـ بلى... لكنّه ليس ابني.
ـ وهل اكتشَفتَ ذلك الآن؟ ألَم تعرِف منذ الأوّل أنّه ابن رجُل آخَر؟ ألَم تعِدني بأن تُحبُّه وتعامِله وكأنّه منكَ؟
ـ بلى... لكنّني اكتشَفتُ أنّني لستُ قادِرًا على ذلك.
ـ إسمَع يا وليد... صحيح أنّني أُحبُّكَ، لكن ليس أكثر مِن ابني، لا تجبِرني على الاختيار بينكما.
ـ ما هذا الكلام؟!؟ تُفضّلين ولَدًا صغيرًا عليّ؟!؟
ـ هو ليس ولَدًا صغيرًا، بل هو ولَدي الصغير، فهناك فرق شاسِع. وإن كنتَ بالفعل لا تستطيع ولو مُعاملته بشكل لطيف ومُحِبّ، فسأرحَل معه.
- أعطِني ولَدًا!!!
ـ قلتُ لكَ إنّ الأمر ليس بِيَدي.
ـ مضى على زواجنا أكثر مِن سنة، ماذا لو هناك خطب بكِ؟
ـ ها أنا أنجَبتُ ابني! ماذا لو كان الخطَب منكَ؟
ـ إخرسي!
ـ تقولُ لي "إخرسي"؟!؟ ما هذا الكّم مِن قِلّة الاحترام؟
ـ كيف تقترحين أنّني عاقِر؟
ـ ألَم تقُل إنّني قد أشكو من خطَب ما؟ أم أنّكَ لا تستطيع تقبّل هذا الاحتمال لأنّكَ رجُل؟ خابَ ظنّي بكَ كثيرًا يا وليد، كثيرا!
باقي الأيّام كانت صامِتة جدًّ، إذ أنّني لَم أتكلَّم مع زوجي إلّا للأمور المُلِحّة، وهو كذلك. ثمّ هو ادّعى أنّه غيّرَ طريقته مع ولَدي، لكنّني كنتُ أرى الانزعاج في عَينَيه وعدَم صدقه معه.
مرَّت الأشهر ولَم أحمَل، واقترَبَ موعد عيد زواجنا الثاني. في تلك الأثناء، عادَ وليد يُسيء مُعاملة ابني، فأخذتُ قراري، وهو عدَم مُتابعة ذلك الزواج الذي كان على ما يبدو غير ناجِح مِن نواحي عديدة. فأن أُلزِم ابني بِرجُل لا يُحبّه ويصرخُ به طوال الوقت ويتنمّر عليه، فلا! فتربيته لوحدي كانت بالفعل الحلّ الأنسب للجميع.
لِذا، يوم عيد زواجنا الثاني، قلتُ لوليد:
ـ أظنّ أنّ الوقت حانَ لنُنهي ما بدأناه، أعني زواجنا. لستُ سعيدة معكَ، وكذلك ابني. وأنتَ لَم توفِ بوعودكَ لنا، وعودٌ كانت الأساس بقبولي بكَ.
ـ أظنُّ ذلك أيضًا. فأنا أُريدُ ولَدًا لي ومنّي، وسأكون بمنتهى الصراحة معكِ، فأنا لا أُحِبُّ ابنكِ. إدّعَيتُ ذلك قَبل الزواج لإقناعكِ بي لأنّني أردتُكِ زوجة لي. ولَم أعُد قادِرًا على التمثيل. سنتطلَّق بأسرع وقت.
لَم أذهب لأهلي خوفًا مِن الشماتة، ليس لأنّني أخافُ منهم، بل كنتُ بِغِنى عن التلميحات والتوبيخات، خاصّة أنّ ابني عانى الكثير مع وليد. حمَدتُ ربي أنّني لَم أترك عمَلي حين تزوّجتُ كما تفعل الكثير مِن النساء الشرقيّات، فاستأجرتُ شقّة صغيرة ورحتُ أسكنُ فيها وابني بسلام.
وحين علِمَ زوجي الأوّل أنّني تطلّقتُ، عادَ بقوّة ليُقنِعني بأنّه تغيّرَ وعلينا أن نتزوّج مِن جديد. لكنّني لَم أُصدِّقه، فخلال طلاقنا كلّه، هو لَم يُنجِز شيئًا بعد أن صرَفَ كعادته كلّ ما لدَيه على مشاريع فاشِلة. كيف أدَع ابني يعيشُ في مناخ قلَق وقِلّة، وبمثال أعلى كأبيه؟ لا، كنتُ سأُربّيه لوحدي، ليفهَم معنى الكِفاح والطموح والتضحية. كنتُ سأكون مثاله الأعلى ليكبر ويصبح رجُلًا مسؤولًا وقويًّا ومُستقِلًّا.
رفضتُ العودة إلى زوجي الأوّل بالرغم مِن تدخّلات أهلي والأقارِب، فماذا يعرفون عن الذي مررتُ به معه، هل هم عاشوا معه وعانوا منه؟ يا لَيتَ كلّ إنسان يهتمّ بأموره الشخصيّة ويترك الآخَرين بسلام!
تعِبتُ كثيرًا بعد أن اضطرِرتُ للعمَل ساعات إضافيّة لِدفع الإيجار والفواتير ومدرسة ابني، فعندما تنازَلَ أبوه عن حضانته، لَم يعُد مسؤولًا عن مصروفه، فهكذا اتّفقنا. لكنّني استطعتُ تأمين حياة جميلة لابني وهو لَم يشعر بِتَعَبي لأنّني أخفَيتُه عنه، فلَم أتذمَّر أمامه أو أُمَنِّنه كما يفعل بعض الأهل.
في تلك الأثناء، تزوّجَ وليد بسرعة، ظنًّا منه أنّه سيحصل أخيرًا على ذرّيّة. لكنّه نسيَ أن يُجري التحاليل والفحوصات اللازِمة قَبل إقحام بنات الناس معه. وبعد فترة، حين رأى أنّ زوجته لَم تحمَل بعد، بدأ يستوعِب أنّ المشكلة هي منه وليس منها، أو منّي. وهكذا، هو اتّصَلَ بي في أحَد الأيّام:
ـ كنتُ غبيًّا... كلّ الحقّ يقَع عليّ... كان لدَيّ عائلة جاهِزة معكِ... الآن لَم يعُد لدَيّ أيّ أمَل.
ـ بالفعل، بالفعل. فلو أحبَبتَ ولَدي وعامَلتَه جيّدًا، لَصارَ بمثابة ابنكَ.
ـ للحقيقة، لَم أحاوِل أن أُحِبّه... كنتُ مُركِّزًا على الإنجاب فقط، فحسِبتُ أنّ ما يهمّ هو لَدًا مِن لِحمي ودَمي، سامحيني.
ـ عليكَ أن تطلب السماح مِن ولَدي الذي كان يتوقّع منكَ أن تُعطيه الأمان والقوّة وأن تحميه كما يفعل الآباء. بدَلًا مِن ذلك، أرعَبتَه وحطّمتَه ودمّرتَ ثقته بنفسه. مِن حسن حظّه أنّني استطَعتُ التعويض له بعد طلاقنا. وإلّا كانت الأمور ستُؤثِّر به إلى الأبد.
ـ أنا وغد.
ـ أنتَ قلتَها.
ـ هل، هل...
ـ لا. لن أعودَ إليكَ مهما كلّفَ الأمر. إبقَ مع المسكينة التي ربطَها معكَ والتي لن تصبحَ أُمًّا بسبب كبريائكَ، وعامِلها جيّدًا لتعوِّض لها، أو طلِّقها لتُعطيها فرصة بالإنجاب.
ـ هل أنتِ سعيدة لوحدكِ؟
ـ أنا سعيدة بالفعل، لكنّني لستُ لوحدي، لدَيّ أغلى إنسان على قلبي، وهذا أكثر مِن كافٍ، ألا تظنُّ ذلك؟
حاورتها بولا جهشان