القصة وراء الكرونوغراف، أداة قياس الوقت الأمثل في صناعة الساعات

قلما نجد تعقيدات في الساعات تجمع بين العمليّة والتطوّر التقنيّ والشعبيّة الدائمة التي يتمتع بها الكرونوغراف. ورغم ارتباطه الوثيق برياضة السيارات وسباق الخيل والطيران، إلّا أنّ غرضه أوسع بكثير: فهو يُمكّن مرتدي الساعة من قياس الوقت المنقضي، سواء بالثواني أو الدقائق أو الساعات أو حتى أجزاء من الثانية. من المنافسات الرياضية والملاحظات العلمية إلى الأنشطة اليومية، أصبح الكرونوغراف أحد أكثر الميزات فائدةً وشهرةً في صناعة الساعات الحديثة.

Chanel

 

تتميز ساعة الكرونوغراف عادةً بعقرب ثوانٍ مركزي مخصّص للتوقيت، بالإضافة إلى عدّادات فرعيّة تُسجل الساعات والدقائق المنقضية. يقيس عداد الساعات عادةً حتى 12 ساعة، بينما يغطّي عداد الدقائق في أغلب الأحيان 30 دقيقة. وتعتمد بعض الطرازات تصميمًا أبسط، حيث تعرض الدقائق المنقضية بجانب الثواني الجارية لتسهيل القراءة. بحسب نوع الساعة، قد يشتمل الكرونوغراف على مقاييس ووظائف إضافيّة، منها مقياس سرعة على الإطار أو حول الميناء، يُستخدم لحساب السرعة على مسافة معلومة، ومقياس نبض لقياس معدل ضربات القلب.

Rolex

 

يُعدّ تشغيل آليّة الكرونوغراف بسيطًا عمومًا رغم التعقيد الكامن داخلها. يؤدّي الضغط على الزر الأول إلى تنشيط عقرب الثواني المركزيّ للكرونوغراف، بينما يؤدّي الضغط عليه مرّة أخرى إلى إيقافه، ممّا يسمح لمرتدي الساعة بقراءة الوقت المنقضي على العدّادات المخصصة. يمكن بعد ذلك إعادة تشغيل الآلية لمواصلة القياس أو إعادة ضبطها إلى الصفر قبل بدء قياس جديد. وبحسب تصميمها، يمكن للكرونوغراف قياس فترات زمنية بدقة تصل إلى خُمس أو عُشر أو حتى جزء من مئة من الثانية.

Chopard

 

الاكتشاف الذي غيّر تاريخ الكرونوغراف

يعود تاريخ الكرونوغراف الحديث إلى عام 1816، على الرغم من أنّ أحد أهم الاكتشافات المتعلقة بأصوله جاء لاحقًا. ففي عام 2013، أثبت اكتشاف جهاز من ابتكار المخترع الفرنسي لويس موانيه أن أوّل كرونوغراف حديث طُوّر بالفعل في عام 1816. لم يُطلق موانيه على اختراعه اسم كرونوغراف لأن المصطلح لم يكن شائع الاستخدام آنذاك؛ بل أطلق عليه اسم "عداد أجزاء الثانية الستين" (Compteur de Tierces).

Tiffany & Co

 

كان اختراع موانيه عبارة عن ساعة جيب مصمَّمة أساسًا للرصد الفلكيّ. كان عقربها المركزي قادرًا على قياس أجزاء الثانية الستين، ومزودًا بآلية إعادة الضبط إلى الصفر، بينما كانت عدادات فرعية منفصلة تعرض الثواني والدقائق في أعلى الساعة. وفي موضع الساعة السادسة، كان هناك عداد فرعيّ آخر يعرض الساعات على مقياس 24 ساعة يجمع بين الأرقام الرومانيّة والنقاط. يكشف تصميم آلية الساعة عن مدى قربها من ساعات الكرونوغراف التي نعرفها اليوم. بدأ موانيه العمل على الجهاز عام ١٨١٥، وكان بالإمكان تشغيل عقربه المركزي وإيقافه وإعادة ضبطه عبر زرين أعلى العلبة. كان دافعه علميًا لا رياضيًا، إذ أراد قياس فترات زمنية دقيقة للغاية أثناء مراقبة النجوم والكواكب، وخاصة لحظات مرورها.

 

من علم الفلك إلى سباق الخيل

على الرغم من أنّ اختراع موانيه وضع أسس الكرونوغراف الحديث، إلا أنّ مخترعًا آخر هو من ابتكر آلية مصمَّمة خصيصًا للاستخدام التجاريّ. في عام ١٨٢١، طوّر نيكولاس ماثيو ريوسيك كرونوغرافًا بناءً على طلب الملك لويس الثامن عشر، الذي أراد طريقة موثوقة لتسجيل أوقات الخيول أثناء السباقات. عملت آليّة ريوسيك بطريقة مختلفة تمامًا عن ساعات اليوم، إذ اعتمدت على الحبر لتسجيل النتائج. احتوى الجهاز قرصيْن دوّاريْن وورقتيْن، حيث يُكمل القرصان دورة كاملة كل دقيقة. يُضغَط على زرّ عند بدء السباق، ثم يُضغط عليه مرة أخرى عند عبور كلّ حصان خطّ النهاية. مع كل ضغطة، يترك قلم علامة حبر على الورقة، ممّا يُتيح مقارنة الأوقات المُسجلة للخيول المُتنافسة. كان الجهاز الأصليّ كبيرًا نسبيًّا ومحفوظًا في علبة خشبيّة. قام ريوسيك لاحقًا بتحسين التصميم، مُصغّرًا حجمه ليسهل حمله واستخدامه، مع زيادة جاذبيّته والطلب عليه. في النهاية، تحوّلت الآلية إلى ساعة جيب، مُشكّلةً خطوةً هامةً أخرى في تطور الكرونوغراف.

 

ساعة الكرونوغراف تنتقل إلى المعصم

شهدت العقود التالية تحسينات متواصلة، حوّلت الكرونوغراف تدريجيًّا من أداة توقيت كبيرة وساعة جيب إلى ساعات المعصم المألوفة اليوم. وكان من أهمّ التطورات عام ١٩١٥، عندما قدّم غاستون بريتلينغ أول ساعة كرونوغراف مزوَّدة بزرّ ضغط منفصل عند موضع الساعة الثانية. سهّل هذا الأمر تشغيل وإيقاف الكرونوغراف وجعله أكثر عملية. في عام 1934، أدخل ويلي بريتلينغ تحسينًا هامًّا آخر بإضافة زرّ ضغط ثانٍ عند موضع الساعة الرابعة، خصّيصًا لإعادة ضبط الكرونوغراف. ومنذ ذلك الحين، أصبح تصميم الكرونوغراف بثلاثة أزرار تصميمًا راسخًا في صناعة الساعات، حيث توفّر أزرار الضغط وظائف منفصلة لبدء وإيقاف وإعادة ضبط الآلية.

Audemars Piguet

 

تعقيدٌ لا يزال يتطوّر

لا تقتصر أهميّة الكرونوغراف على تاريخه أو ارتباطه بإنجازات رياضيّة واستكشافيّة بارزة، بل تكمن جاذبيّته في وظيفته العمليّة الأساسية: قياس الوقت المنقضي بدقّة متناهية.

تتميّز بعض الكرونوغرافات بمستويات مذهلة من التعقيد الميكانيكيّ، ويتجلّى ذلك بوضوح في الموديلات المزوَّدة بوظيفة قياس الثواني المنفصلة، ​​والتي تستخدم عقربيْ ثوانٍ مركزيّيْن متراكبيْن لقياس مدّة عدّة أحداث تبدأ في وقت واحد وتنتهي في أوقات مختلفة. ومن الميزات المتطوّرة الأخرى وظيفة الثواني العكسيّة، التي تتيح إجراء قياسات متتالية فورًا من دون الحاجة إلى التسلسل التقليديّ لإيقاف الكرونوغراف وإعادة ضبطه وتشغيله.

وبالتالي، سواء استُخدم الكرونوغراف على الأرض أو في البحر أو في الجوّ، فقد رسّخ مكانة استثنائيّة في عالم صناعة الساعات.

واليوم، لا يزال الكرونوغراف من أكثر التعقيدات التي ينتجها صانعو الساعات انتشارًا، ومن أكثرها رواجًا بين هواة جمع الساعات.

المزيد
back to top button