الرجوع ألى الفقر أم حياة الإهانة؟

هل كان للفقر الذي ذقتُه عندما كنتُ صغيرة تأثيراً على باقي حياتي؟ بالطبع. فكيف لي أن أنسى تلك الليالي التي نمتُ فيها من دون عشاء أو الأحذية الممزّقة التي لبستُها أنا وأخواتي إلى المدرسة بينما كان رفاقي ينعمون بكل شيء؟

ورغم فقري كنتُ جميلة جدّاً وهذا ما جعل زوجي سمير يختارني. لا أدري إن كان أحبنّي يوماً أم كنتُ فقط شيئاً جميلاً أضافه على مجموعة أغراضه الثمينة فلم يهمّه أصلي أو حسابي المصرفي بل فقط شكلي. كان يتأمّل أن يجعل منّي سيّدة مجتمع ويروّضني لأكون كما يريدُني. ولقد نجح بذلك. فمنذ اليوم الأول الذي رأيته فيه في محل الثياب الذي كنتُ أعمل فيه أبهرني بشياكته ولباقته وما أثرّ فيَّ الأكثر هو صرفه للمال دون حسبان. وعندما دعاني للعشاء قبلتُ بتحفّظ لأنه لم يكن لديّ فستاناً لائق أو حذاء أخرج به إلى المطعم. فأخذني إلى السوق وإشترى لي ما يلزمني وأكثر. فكيف لي أن أقول لا لحياة الرفاهيّة والطمأنينة؟

ولكن الغريب في الأمر أن أهلي لم يكونوا مسرورين بهذه الزيجة. ظننتُ أن فقرنا سيجعلهم يحبذّون إنتقالي إلى حياة أفضل ولكن أخافهم كل هذا الثراء وحاولوا إقناعي بالعدول عن الزواج به. ولكنني كنتُ مازلتُ في الثامنة عشر من عمري وكنتُ أجهل الحياة ناهيك عن رغبتي في الحصول على كل ما حلمتُ به منذُ صغري.

حفلة زفافنا كانت مهولة وخلتُ نفسي في إحدى قصص ألف ليلة وليلة وشهر عسلي قضيتُهُ بين روما وباريس ونيويورك.

ولكن عند عودتي إكتشفتُ أنّ عليّ واجبات إجتماعيّة لم أكن أدري كيف أقوم بها فعلّمني إياها سمير ومن بعدها تابع حياته. أعني بذلك أنني لم أعد أراه كثيراً لإنشغاله بالمكتب وإجتماعاته العديدة وعلاقاته النسائيّة. فلم يتخلّى عمّا كان يفعله قبل الزواج وكأنه أخذ إستراحة صغيرة ثم رجع إلى ما كان عليه. وكلمّا أكلّمه بالأمر كان يقول لي:

- لديكِ الكثير من الأشياء تفعلينها بغيابي. لما لا تذهبي للتسوّق أو للقاء أصدقاء أو حضور حفلات خيريّة؟ أعطيتكِ حياة جديدة فإنعمي بها وأتركيني بسلام.

صحيح أنني إنتقلتُ إلى أعلى درجات المجتمع ولكن كان الجزء العاطفي غائب ومن الصعب ملئ هذا الفراغ بالمال والمجوهرات.

أنجبنا صبيّاً جميلاً ثم بنت وكان زوجي ممنوناً منّي فأخذا جمالهما منّي ومالهم وإسمهما الأصيل منه وبالنسبة له كانت هذه التركيبة المثاليّة. ولكن مجيء ولديّ لم يسدّ الفراغ فما الحياة من دون حب وحنان الشريك؟

في هذه الأثناء زادت علاقات سمير العاطفيّة ولم يعد حتى يحاول الإختباء فبات الجميع يراه مع تلكَ أو فلانة في السهرات والمناسبات بينما كنتُ أنا من جهتي منهمكة بتربية أولادي وبواجباتي الإجتماعيّة.

علمتُ حينها أن حياتي ستكون دائماً هكذا فلم يكن يحبّني وأنا تزوّجته لمالِه.

صَبرتُ سنين طويلة أحاول لفتَ إنتباهه وإقناعه بأن يحترمني كزوجة ولكنه زاد إهمالاً وإذلالاً. ففي مرة جاء إلى المنزل برفقة فتاة وأخذها إلى غرفة مكتبه وأقفل الباب وراءه قائلاً: "هذا بيتي". عندها أصبحتُ كالمجنونة لا أفكّر سوى بشيء واحد: تركه. وعندما أخبرتُه بنيتّي بالرحيل ضَحِكَ وقال: "وترجعين إلى فقرِكِ؟ لا أظنّ ذلك فلقد ذقتِ طعم الرخاء ولن تستطيعي العودة إلى الوراء".

كان محقاً... بمجرّد التفكير في حياتي السابقة كان يضيق صدري. ففضّلتُ البقاء وتحمّل الوضع.

ومن بين الصديقات التي تعرّفتُ إليها بعد زواجي إمرأة تكبرني بسنين عديدة. كانت ثريّة جداً تنظّم حفلات لجمع التبرّعات لجمعيّات خيريّة وكان أولادها جميعاً قد سافروا إلى الخارج. وهذه السيّدة كانت قد لاحظت حزني ومللي الدائم. وفي ذات نهار أخذتني على حدىً وقالت لي:

- تذكرّينني بنفسي... فأنا أعرفُ هذه النظرة... وأعرف زوجكِ جيداً فهو صديق قديم. إسمعيني جيداً لأنني لن أكلّمكِ بهذا الموضوع مجدّداً... لا شيء ولا شيء أبداً يساوي كرامتكِ ولا ثروة ستعطيكِ السعادة. أنظري إليّ... قضيتُ عمري أكذبُ على الناس وعلى نفسي وأدّعي السعادة ومع الوقت لم يعد لي الشجاعة لأستعيد نفسي. زوجكِ رجل عديم الأخلاق وقد عرف كيف يشتريكِ بماله. لا تقولي لا! سألتُ عنكِ وأعرف من أنتِ ومن أين جئتِ. أهربي من هنا قبل فوات الأوان وكوني على ثقة أن طعم الحياة أطيب عندما تجنين مالكِ بنفسكِ وبعرق جبينكِ بصحبة إنسان محبّ يحترمكِ ويبحثُ عن سعادتكِ. لا تضيّعي الوقت فهو ثمين... في يوم من الأيّام كان لي حبيب... فضّلتُ الجاه عليه... والآن أقضي حياتي أندم على هذا الخيار. سأعطيكِ رقم محام يمكنه مساعدتكِ وعندما تأخذين قراركِ سأساعدكِ.

تأثرّتُ كثيراً بحديثها فكأنها تقرأ بداخلي. قررتُ التحدّث مع ذلك المحامي فشرح لي أنّ وضعي ليس جيّداً وفي حال الطلاق لن يكون لي ما يكفيني لأعيش بكرامة ولكنني بدأتُ أرى حياة الفقر جميلة. وقبل المضي بالدعوى حاولتُ التكلّم مع سمير ربما يقتنع أن يغيّر سلوكه ونبدأ صفحة جديدة سوياً:

- ماذا تقولين؟ أنا سعيد هكذا ولن أغيّر شيئاً. إن كنتِ غير راضية يمكنكِ الرحيل كما قلتُ لكِ في المرّة السابقة.

- تقول هذا وكأنّكَ متأكّد أنني لا أستطيع ترككَ. هناك حدّ لكلّ شيء وأنا لم أعد أتحمّل الحياة معكَ.

- الوداع إذأً... ولكن تعلمين أنّكِ لن تحصلي على شيء أليس كذلك؟ حتى الأولاد سآخذهم منكِ.

عندما سمعته يتكلّم عن أولادي بدأ قلبي يخفق بسرعة وقلتُ لنفسي أنني لن أستطيع العيش من دونهم لذا عليّ أن أستعمل ذكائي فأجبته:

- لا أريد شيئاً منكَ خاصة أن أتلبّك بولدَين فأنا أريد أن أكون حرّة من أي مسؤؤليّة وأنوي الإرتباط من جديد ومن سيقبل بي ومعي عائلة؟

وعند سماع هذا أدرك سمير أن وجود الأولاد معه سيكون عبء عليه وعلى مغامراته العديدة وليمنعني من البدء من جديد مع شخص آخر غيّر رأيه وقرّر أن يعطيني حضانة الأولاد.

وهكذا بدأَت حياتي الجديدة. صديقتي دبّرت لي عملاً في إحدى جمعيّاتها الخيريّة وسمير دفعَ أقساط مدارس الأولاد ولباسهم لا لأنّه أب صالح بل لأنّ القنون يجبره على ذلك.

أنا اليوم ولدتُ من جديد وبالرغم من أنني تركتُ الجاه والمال لم أعد إلى الفقر كما كنتُ أخشى فليس هناك من شيء محتّم وللإنسان حلول عديدة يمكنه من خلالها تغيير مصيره.

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button