لَم أصدِّق أذنَي حين اتّصلَت بي والِدتي لتسأل عن أحوالي بعد انقطاع دامَ ثلاث سنوات. ففي تلك الأثناء، كانت قد استبدلَتني بزوج أختي الذي صارَت تُسمّيه "ابنها"، فقط لأنّه ثريّ ويشتري لها الهدايا التي لَم أستطِع شراءها لها لأنّني بكلّ بساطة إنسان عاديّ له عمَل عاديّ. فيوم تزوّجَت أختي في ذلك الفندق الفخم وسط هؤلاء الأغنياء، خالَت أمّي أنّها تنتمي لذلك المُحيط ولتلك الطبقة المُخمليّة، ونظرَت إليّ بشيء مِن الاشمئزاز. آنذاك، لَم أستطِع تفسير تلك النظرة، لكن بعد فترة قصيرة، فهِمتُ الرسالة: كنتُ سأجلِبُ لها العار إن هي بقيَت على تواصل معي. لذلك، قالَت لي ذات يوم:
ـ بما أنّكَ تعيش لوحدكَ في المدينة المُجاوِرة، مِن الأفضل ألّا تزورَ أختكَ كثيرًا... فماذا ستقولُ عائلة صهري عنكَ؟
ـ ماذا ستقولُ عنّي؟؟؟
ـ أعني... طبيعة عملكَ وملابسكَ... لا أُريدُ أن تفسدَ زواج ابنتي.
ـ عمَلي شريف، فأنا موظَّف! وماذا عن ملابسي؟ إنّها ملابس عاديّة يرتديها الملايين مِن الناس!
ـ وسيّارتكَ؟؟؟ إنّها قديمة وبشِعة!
ـ ماما! ماذا دهاكِ؟؟؟ هل فقدتِ عقلكِ؟
ـ بالعكس! أنا أُفكِّرُ بأختكَ!
ـ لا مُشكلة لدى أختي في ما يخصّني، فنحن على علاقة مُمتازة!
ـ لأنّها لا تجرؤ على مواجهكَ، فأنا أفعلُ ذلك بالنيابة عنها.
ـ حسنًا... لن أزورَها إلّا في المناسبات.
ـ شيء آخَر... سأنتقِلُ للعَيش معها، فهي بحاجة إليّ.
ـ أيعني ذلك أنّني لن أراكِ أنتِ الأخرى؟ فأنا مُعتاد على زيارتكِ في كلّ نهاية أسبوع!
ـ سأزورُكَ بنفسي، لا داعٍ لتأتي أنتَ.
ـ ما الذي يحصل؟؟؟ ماما؟؟؟ أنا إبنكِ!
ـ زواج أختكَ مِن ذلك الرجُل هو فرصة لا تعوَّض، ولن أسمَحَ لأحَد أن يُعكِّر صفوَ سعادتها.
ـ سعادتها أم سعادتكِ؟
ـ الاثنان معًا، فما المانِع بأن أنعَم ببعض الرفاهيّة، أم أنّ عليّ العَيش طوال حياتي بالقِلّة التي كان سببها المرحوم أبوكَ؟
ـ كان أبي رجُلًا شريفًا ومُحِبًّا! هو فعَلَ أقصى ما لدَيه مِن أجلنا!
ـ الشرَف والمحبّة لا يشتريان الملابس الجميلة أو تأخذانكَ إلى السفَر أو تُدخِلانكَ مُجتمعات راقية! كفاكَ حلمًا! أنتَ بلا طموح تمامًا كوالِدكَ!
ومنذ ذلك اليوم، إنقطعَت أخبار والدتي وأختي وصِرتُ كاليتيم والابن الوحيد... إلى حين عادَت والِدتي واتّصلَت بي بذلك النهار. للحقيقة، لولا فضولي، لَما أجبتُ، لكنّني كنتُ أودُّ معرفة سبب تذكّر أمّي لي. فهي قالَت:
ـ يا حبيبي... لقد اشتقتُ لكَ كثيرًا!
ـ حقًّا؟ منذ متى تشتاقين لي؟
ـ أنا أمّكَ!
ـ مِن الجيّد أنّكِ تذكّرتِ ذلك! ماذا تُريدين؟
ـ لا شيء... لا شيء...
ـ ماما... أجيبي، ماذا تُريدين؟
ـ هل أستطيع العَيش معكَ؟
ـ ماذا؟ فأنتِ تعيشين في ذلك البيت الفخم مع ابنتكِ وصهركِ وحفيدكِ الصغير.
ـ للحقيقة... لَم أعُد أريدُ البقاء هناك، لا تسألني لماذا!
ـ حسنًا، لن أسأل. لِما لا تعودين إلى بيتنا، فأنا مخطوبٌ وسأتزوّج بعد أشهر قليلة وشقّتي لا تتّسِع لثلاثة أشخاص.
ـ ماذا؟ ترفضُ استقبالي؟
ـ في الواقع، خلال فترة انقطاعكِ عنّي، تابعتُ حياتي وتعرّفتُ على صبيّة مُمتازة وصمّمنا على الزواج. لَم أحسِب حسابكِ، أوّلًا لأنّ لدَيكِ مسكن خاص بكِ، وثانيًا لأنّكِ لَم تعودي جزءًا مِن حياتي، وثالثًا لأنّكِ عشتِ مع أختي في منزل بِكبر الحَي بأكمله. عودي إلى بيتكِ.
ـ لقد... لقد بعتُه.
ـ بعتِه؟!؟ ولماذا؟
ـ حسبتُ أنّني لن أعودَ بحاجة إليه بعدما إنتقلتُ إلى بيت صهري.
ـ إشتري آخَر إذًا.
ـ لقد صرَفتُ المال.
ـ على ماذا؟!؟ ألَم تكوني تأكلين وتشربين مِن مال صهركِ؟
ـ صرَفتُ المال على الملابس والأحذية والحقائب والمجوهرات... فكان عليّ أن أبدوَ أنيقة كهؤلاء الناس.
ـ حسبتُكِ امرأة عاقِلة وذكيّة... بعتِ البيت العائليّ لِتبدي سيّدة مُجتمع؟
ـ أجل.
ـ هذه ليست مُشكلتي، عودي إلى ابنتكِ وصهركِ، فلا مكان لكِ هنا. هل ظننتِ أنّ باستطاعتكِ إعادة ما قطعتِه بلحظة؟ وهل أنا لعبة بين يدَيكِ؟
ـ لا أستطيع العودة!!!
ـ طلبتِ منّي ألّا أسألكِ عن السبب ولن أفعل.
ـ حسنًا... سأخبرُكَ عن السبب... هم طرَدوني! أجل، طرَدوني!
ـ مَن طرَدكِ؟
ـ كلّهم!
ـ حتّى أختي؟
ـ أجل، لا بل كانت الأولى في طَردي.
ـ لكن لماذا؟؟؟ تكلّمي قَبل أن أفقِد صوابي!
ـ لأنّني... لأنّني سرَقتُهم.
سكتُّ مُطوّلًا، فمَن كانت تلك المرأة التي طرَدَتني مِن حياتها نهائيًّا مِن أجل الجاه واستعارَت منّي، ثمّ باعَت بيتها لتشتري ما بإمكانه أن يجعلها أهلًا بعائلة صهري، وانتهى بها المطاف مطرودة لأنّها سرقتهم؟ ثمّ صرختُ بها:
ـ ماذا سرقتِ أيّتها المجنونة؟؟؟
ـ قَبل أن تحكم عليّ، إسمعني. فبعد أن نفِذَ المال الذي حصلتُ عليه مِن ثمَن البيت، كان عليّ أن أتماشى مع نمَط حياة تلك العائلة.
ـ ألَم تُعطيكِ أختي مصروفًا؟
ـ بلى، لكنّه لَم يكن كافٍ.
ـ أنا لا أُصدّقكِ، لكن أكملي، ماذا سرقتِ؟
ـ أخذتُ بعض الأواني الفضّيّة... أغراض لَن يكن أحَد يستعملها، بل كانت فقط للعرض... رحتُ لأبيعها لكنّ صاحِب المحلّ تعرّفَ عليها واتّصَلَ بصهركَ. وخلال مواجهته وأختكَ لي، هدَّداني بِطلب الشرطة وسَجني! هل تتصوّر ذلك؟؟؟
ـ هذا مصير كلّ سارِق... لكنّكِ لَم تسرقي شخصًا غريبًا عنكِ، بل ابنتكِ! أليس لدَيكِ ذرّة أخلاق؟!؟
ـ كيف تُكلّم أمّكَ هكذا؟!؟
ـ أمّي؟ هي نفسها التي نكرَتني بسبب وظيفتي وملابسي؟ ليس لدَي أمّ!
ـ أين سأعيش؟!؟ هل سترميني في الشارع؟!؟
ـ لا طبعًا، فأنا، على خلافكِ، لدَيّ رحمة وأخلاق. سأستأجرُ لكِ شقّة صغيرة، على قدر ما أستطيع دفعه، فعائلتي المُستقبليّة أحقّ بمالي.
ـ أنا عائلتكَ!
ـ أجل، حينما تشائين فقط. دعيني أكمِل... وستجدين عمَلًا، فلا تزالين في الخمسين مِن عمركِ وتتمتّعين بصحّة جيّدة. لن أدفَع سوى الإيجار، فلتتدبّري الباقي بنفسكِ.
ـ أنا أمّكِ!
ـ هذا أقصى ما أستطيع فعله، أم تُريدين أن أسرقَ مثلكِ؟
ـ أيّها الوغد!
ـ إضافة إلى ذلك، لا أُريدُ أن أعرفَ شيئًا عنكِ، وبالمقابل لن تعرفي شيئًا عنّي، عن زواجي وزوجتي وأولادي المُستقبليّين. فيوم طردتِني مِن حياتكِ مِن أجل المال والجاه، صِرتُ يتيمًا.
ـ لكنّني لَم أمُت!
ـ في نظري بلى... وأيضًا في قلبي. سأتّصلُ بكِ حين أجِدُ لكِ مسكنًا.
ـ وأين سأبيتُ حتّى ذلك الحين؟
ـ إذهبي إلى أحَد الأقارب.
ـ وماذا سيقولون عنّي؟ سيعلَمون أنّني لَم أعُد أعيش مع أختكَ!
ـ لو فكّرتِ قَبل أن تُقرّري أن تسرقي، لَما حصَلَ ذلك، عليكِ تحمّل مسؤوليّة قراراتكِ وأفعالكِ.
راحَت أمّي لأقاربها ووجدتُ لها مسكنًا صغيرًا في منطقة شعبيّة، الأمر الذي أغضبَها كثيرًا، لكنّني لَم أُبالِ على الإطلاق. سمعتُ أنّها وجدَت عمَلًا في حضانة وتتقاضى راتِبًا يكفيها. بعد فترة تزوّجتُ مِن دون أن أدعو أمّي أو أختي وسافرتُ بعيدًا مع عروستي. اليوم أنا أب وزوج سعيد، ومُدير فرع الشركة في الخارج، وأعيش وعائلتي برخاء. يا لسخرية القدَر!
حاورته بولا جهشان