البيت المهجور (الجزء الأول)

يوم اقترَبَ موعد تقاعدي، أخذتُ أُفكِّر بما سأفعله لاحقًا بحياتي، فلقد اعتَدتُ الذهاب إلى عمَلي يوميًّا والقيام بواجباتي كالآلة. وكان ذلك النمَط الروتينيّ يُريحُني ويعطيني استقرارًا أحبَبتُه. فالجدير بالذكر أنّني ترمّلتُ بعد أقلّ مِن عشر سنين على زواجي، فربَّيتُ ولدَيّ لوحدي، ومنذ زواجهما شعَرتُ بالوحدة، ووحده عمَلي استطاعَ تعبئة ذلك الفراغ المُخيف.

وحين انتهَى حفل الوداع الذي أُقيمَ لي في الشركة، عدتُ إلى بيتي عالِمة تمام العِلم أنّني سأقضي فيه أيّامًا طويلة وموحِشة. وبالرغم مِن أنّني رحتُ أقضي فترات عند كلَي ولدَيّ، كنتُ أعودُ في آخِر المطاف إلى المكان نفسه.

ثمّ حدَثَ ما لَم أتوقّعه، فاتّصَلَ بي جمال، أخو زوجي، ليسألني إن كنتُ أوافِقُ على بيع منزل القرية الذي ورثّه زوجي وهو مِن أبيهما، لأنّه بحاجة إلى المال. كنتُ قد نسيتُ أمر ذلك العقار، فهو يقَع على بُعد كبير مِن المدينة. زرتُ البيت مرّات قليلة ووجدتُ المكان جميلًا بحجاره الضخمة وحديقته التي تُحيطُ به. وافقتُ على بيَع العقار حين يوجَد الشاري، فارتاحَ بال الرجُل. لكن في تلك الليلة، رأيتُ نفسي في الحُلم أمشي في ذلك البيت القرويّ حيث تدخلُ الشمس إليه مِن جميع الجهات، ثمّ في الحديقة أسقي الزَرع والورود الجميلة. وكَم كنتُ سعيدة! وحين استفَقتُ، كانت هناك بسمة عريضة على وجهي وشعور راحة فائقة في صدري.

بعد ساعات، إتّصلتُ بوَلدَيّ، وطلبتُ منهم أن نشتري حصّة عمّهم، هما لَم يفهَما سبب طلَبي هذا، لكنّهما وافقا على الفور، فلَم يحدث أبدًا مِن قَبل أن أطلبَ شيئًا منهما ولو بسيطًا، بل كنتُ التي تُعطي دائمًا. دفَعنا نحن الثلاثة ثمَن حصّة أخ زوجي وسجَّلنا البيت باسمي لأنّ ابنيَّ أصرّا على ذلك، فأراداني سيّدة المكان المُطلَقة. ثمّ بدأتُ أُخطِّط في بالي وفي الواقع لانتقالي إلى قرية أجداد زوجي. ولأنّني لَم أستطِع الانتظار لتحقيق ما رأيتُه في حُلمي، حزَمتُ حقيبة وركبتُ سيّارتي وقدتُ إلى تلك القرية البعيدة بفرَح كبير. لدى دخولي القرية، صادَفتُ بعض الأهالي الذين رحبّوا بي حين علِموا زوجة مَن أكون، فعائلة المرحوم كانت معروفة جدًّا هناك بسبب تعاطي أفرادها في الشأن السياسيّ المحلّيّ.

لكن لدى وصولي العقار، تفاجأتُ بحالته، إذ أنّ الحديقة الجميلة صارَت شبيهة بالأدغال، والمنزل بِخربة. إمتلأت عينايَ بالدموع، فهل اقترَفتُ خطأً كبيرًا بشرائه وصَرف كلّ ما لدَيّ ولدى ولَدَيّ على مكان ليس مؤهّلًا للسكن؟ جلستُ أمام المنزل أُحدِّقُ برِزقي وأُحاوِلُ تصوّر نفسي أعيشُ فيه كما هو، فمِنَ أين آتي بالمال لترميمه؟ ستقولون لي أنّه كان عليّ تفحّص المكان قَبل صَرف تعويضي عليه، وأنتم على حقّ، لكنّ ذلك الحُلم اللعين سكَنَ بالي وقلبي وصدّقتُه واكتفَيتُ به.

وأنا جالِسة أتحصَّر على نفسي، مرَّت سيّارة مِن خلف الطريق وترجَّلَ منها شخص في الستّين مِن عمره لا أعرفُه. وعندما رآني، إقتربَ منّي وسألَني مَن أكون وماذا أفعَل هنا، فأجبتُه:

ـ أنا مالِكة هذا المكان الرهيب، للأسف.

 

ـ ماذا تعنين؟ ولماذا التأسّف؟

 

أخبرتُه مَن أكون وكيف اشترَيتُ العقار مِن دون تريّث، فأجابَني:

ـ كنتُ أعرِفُ زوجكِ جيّدًا إذ أنّنا كنّا صديقَي الطفولة... وهناك بيتي، أنظري.

 

ـ بيتكَ جميل للغاية، على عكس بيتي!

 

ـ لا عليكِ، هنا ستجديني الكثير مِمَّن يُجيدُ العمار والترميم، فنَبني بيوتنا بأيدينا.

 

ـ ومِن أين آتي لهم بالمال؟

 

ـ أليس لدَيكِ عمَل؟

 

ـ لقد تقاعَدتُ للتوّ، وصرفتُ تعويض نهاية الخدمة كلّه على البيت، للأسف.

 

ـ إذًا عليكِ إيجاد عمَل جديد... وهكذا تدفعين للعمّال أقساط شهريّة.

 

ـ عمَل في هذه القرية النائية؟ وفي سنّي؟؟؟

 

ـ نحن مُحاطون بالقرى الكبيرة، أين إذًا تظنّين أنّنا نعمَل؟ سأجِدُ لكِ وظيفة، لكن الآن علينا مُعاينة الأعمال.

 

وأخَذَ الرجُل هاتفه وأجرى بعض المُكالمات، ثمّ قلتُ له:

ـ عفوًا، لَم أسألكَ عن اسمكَ، لكثرة انشغالي بمُصيبتي.

 

ـ أنا فادي. سيأتي معارفي ويُعاينون البيت والحديقة بعد حوالي الساعة، ما رأيكِ في أن نجلِسَ في مقهى القرية إلى حين يصلون؟

 

ركِبتُ سيّارتي ولحِقتُ بفادي إلى المقهى، هناك قلتُ له:

ـ أشكرُكَ على مُساعدتكَ لي... لكن في طريقي إلى المقهى، خطَرَ ببالي أن أبيعَ العقار كما هو... فهدَفي مِن شرائه كان أن أقضي فيه فترة تقاعدي، وليس العمَل مِن جديد لإصلاحه!

 

ـ قد تكونين على حقّ، لكن صدّقيني، عندما تنتهي مِن الترميم، ستعيشين فيه وكأنّكِ في الجنّة! هنا الهواء نقيّ والناس طيّبون والمناظِر خلّابة. هل يوجد ذلك في المدينة؟

 

ـ بالطبع لا، لكن...

 

ـ لمِا لا ننتظِر قدوم الأخصّائيّين؟

 

وصَلَ رجال عديدون وألقوا التحيّة عليّ باحترام، ثمّ توجّهنا كلّنا إلى العقار. البعض دخَلَ البيت، والبعض الآخَر جالَ في الحديقة الواسِعة. بدوا لي مهمومين، ولَم أكن على خطأ، فالمبلغ اللازم للإصلاح والترميم كان ضخمًا، فانهالَت دموعي على خدَّيّ، الأمر الذي أحرَجَ الموجودين. عندها قال فادي:

ـ ليس هناك مِن عجلة... نُرمِّم شيئًا فشيئًا... نبدأ بالمنزل ونترك الحديقة للآخِر.

 

ـ لكن أين سأعيش إلى ذلك الحين؟ فإن وجدتَ لي عمَلًا في الجوار، لن يكون بإمكاني الذهاب إليه مِن المدينة والعودة!

 

ـ ستسكنين في بيتي.

 

ـ ماذا؟؟؟ ما هذا الكلام؟ مَن تظنُّ أكون؟؟؟

 

بدأ فادي بالضحك ثمّ قال:

ـ أنا لا أعيشُ لوحدي، بل مع أمّي وأختي... البيت كبير وستكونُ لكِ غرفة لنفسكِ.

 

ـ لكن...

 

ـ تعالي معي أُعرفُكِ على أهلي، وأنا مُتأكِّدٌ مِن أنّكِ ستُغيّرين رأيكِ.

 

ـ لا، سأبيع العقار كما هو!

 

ـ حسنًا... تعالي على الأقلّ لشرب القهوة مع أمّي وأختي!

 

رافَقتُ فادي مشيًا على الأقدام وكذلك بعض الرجال، وتفاجأتُ بالملقى الذي حظيتُ به حين عرَفتُ أمّ فادي زوجة مَن أكون. هي قبّلَتني بقوّة ودعَتني للدخول بينما أسرعَت ابنتها بتحضير القهوة. الجلسة كانت بالفعل مُمتِعة ووعدتُ أصحاب البيت أنّني سأعودُ حتمًا. ودّعتُ فادي وتبادَلنا أرقام الهاتف قَبل أن أرجَع إلى المدينة مع حقيبتي لأُفكِّر جدّيًّا بالذي أنوي فعله. لَم أخبِر ولدَيّ عن حالة البيت والحديقة كَي لا أُشعِرَهما بأنّهما دفَعا مالهما سدىً، ونمتُ باكية.

وبعد يومَين، اتّصَلَ بي فادي صارِخًا: "وجدتُ لكِ وظيفة في القرية المُجاوِرة، في مكتب البريد، إنّه عمَل سهل ودوامه قصير. ما رأيكِ؟؟؟". إبتسَمتُ لِحماسه ووعدتُه بأن أعطيه جوابًا بسرعة، لكنّني كنتُ شِبه مُتأكِّدة مِن أنّني سأرفضُ الوظيفة، والبيت، والحديقة.

إلّا أنّ شيئًا غريبًا حدَثَ لي، فبدأتُ أشعر بالاختناق وأنا مُحاطة بكلّ ذلك الباطون الرماديّ اللون، ودخان السيّارات، والضوضاء التي ملأت المدينة. فقارَنتُ ذلك المشهد بالذي هو موجود في القرية، وفهمتُ أنّني بالفعل بحاجة إلى العَيش في مكان صحّيّ وهادئ. إتّصلتُ بفادي وأخبرتُه أنّني سأُحاوِل أن أعيش في القرية لبعض أيّام ثمّ أقرِّر إن كنتُ أُريدُ بدء العمَل وورشة الترميم. حزَمتُ مرّة أخرى حقيبتي ورحتُ إلى بيت فادي حيث عمَّت الفرحة لِقدومي. شعرتُ بالخجَل لأنّني لَم أسكن عند أحَد مِن قَبل، لكنّ سكّان البيت فعلوا جهدهم لأشعُرَ وكأنّني في بيتي. ساعَدتُ بالأعمال المنزليّة طبعًا، وببعض المصاريف مع أنّ فادي رفضَ ذلك قطعيًّا، لكنّني شرَحتُ له أنّني بحاجة للشعور ببعض الاستقلاليّة.

وبعد أسبوع، بدأتُ العمَل في مكتب البريد وبدأَت أعمال الترميم، وكنتُ أذهب إلى مُلكي كلّ يوم بعد دوامي وأراقِب التصليحات برفقة فادي الذي كان يأخذ المسألة بجديّة تامّة ولا يتأخّر عن توبيخ العمّال إن لزِمَ الأمر.

لكن في إحدى الليالي، إستفَقتُ على أصوات تتعالى ورائحة دخان قويّة. وعندما نظرتُ مِن النافِذة، رأيتُ بيتي يحترِق!

ركَضَ أهالي القرية كلّهم حاملين المياه وفعلوا جهدهم لإخماد النيران قَبل أن تلتهِم البيت كلّه. لِحسن حظّي، لَم يتدمَّر بيتي كلّه، بل بعض الغرَف حيث بدأت النيران. كانت حالتي يُرثى لها، وكذلك فادي الذي ساعَدَ في إطفاء النيران. لكنّه بدا مهمومًا بعد الحادثة، فلَم يكن هناك مِن سبب لِيَنشبَ الحريق لأنّ الكهرباء كانت مقطوعة عن البيت. وحين سألتُه عمّا يدورُ في باله، هو اكتفى بالقول: "لدَيّ فكرة... لكنّني سأحتفِظ بها في الوقت الحاضِر."

 

يتبَع...

المزيد
back to top button