الأسباب النفسية والخفية وراء ارتباكنا في تقبّل الإطراء

تحمل بعض العبارات البسيطة مثل: "أنتِ متألّقة اليوم"، أو "صوتكِ يحمل دفئًا خاصًا"، أو "أحسنتِ صنعًا!" نوايا طيبة وحسنة، إلّا أنّها قد تدفعنا إلى الهروب لحظة سماعها. فبدلًا من أن نبتسم ونقول بكل بساطة "شكرًا"، تستيقظ غريزة التحليل والتبرير في أعماقنا، فنفكّر إمّا بأنه "مجرّد مجاملة"، أو "محض حظ"، أو "أمر عادي لا يستحق الثناء"... وكأنّ الاعتراف بجمالنا أو نجاحنا جريمة أو سلوك يفتقر إلى اللياقة والتهذيب! لكن ما الذي يحفّز هذا الشعور حقًا؟ إذا كنتِ تعتقدين أنّ السرّ يتعلّق بالتواضع فحسب، فأنتِ مخطئة. فالسبب الأساسيّ لقدرتكِ على تقبّل الإطراء مرتبط بصلابتكِ النفسيّة، وبالرسائل الخفيّة المبكرة التي اكتسبتِها في صغركِ، والتي تحوّلت مع الوقت إلى صوتٍ داخليّ يدقّ كناقوس خطر في كلّّ مرّة تسمعين فيها جملة مشجّعة أو إيجابيّة.

 

المرآة الداخليّة لديكِ

تؤدّي الصورة الذاتيّة دورًا أساسيًا في استجابتنا للثناء؛ فهي تشكّل مرآة داخليّة قد تجعلنا نتبنّى فكرة مضمرة بأننا "لسنا كافيات". وإذا أمضيتِ سنوات طويلة في تغذية هذه الفكرة، يشكّل الإطراء استنفارًا لعقلكِ الذي يبدأ بالتفكير بآلية الدفاع: "ربّما يقولون ذلك لتجنّب جرح مشاعري"، أو "هذه المجاملة مبالغ فيها، لو علموا الحقيقة لما قالوا ذلك". والعجيب هنا أن الإطراء قد يأتي بمفعولٍ عكسي، فيسلّط الضوء على مخاوفكِ الداخلية بشكل أقسى وأشدّ من النقد نفسه!

 

فخ "التواضع" المكتسب

في مجتمعاتنا العربية، ننشأ على مبدأ أهمية التواضع كفضيلة كبرى؛ فيحثّنا الأهل على ألّا نتباهى أو نلفت الأنظار، كَي لا يسكننا التكبّر. في جوهرها، بُنيَت هذه القيم على النبل واللطف، لكن مع الوقت، قد يتلاشى الخيط الرفيع الفاصل بين التواضع الصادق وإلغاء الذات المستمرّ فنجد أنفسنا نرفض المديح تلقائيًّا عندما نكبر، ليس بدافع الخجل، بل لأنّنا اعتدنا الشعور بالذنب بمجرّد أن نأخذ المساحة التي نستحقّها.

 

الناقد الداخليّ لديك

يشير خبراء النفس إلى أنّ الأفراد الذين يعانون من ضعف تقدير الذات يميلون إلى تصفية التعليقات الإيجابيّة وتجاهلها. فعندما يغمركِ الآخرون بإعجاب حقيقيّ، قد يرفض صوتكِ الداخلي هذا الإطراء، الأمر الذي يخلق فجوة بين الواقع الذي تعيشينه والمعتقدات التي تربّيتِ عليها. المشكلة هنا ليست في أنّ الناس لا يرون قيمتكِ، بل في أنكِ لم تأذني لنفسكِ بعد بلمس هذه القيمة واستشعارها.

 

تحوُّل الثناء إلى عبء

في بعض الأحيان، لا يُقرأ الإطراء كمكافأة أو استراحة محارب، بل يتحوّل فورًا إلى عبءٍ ثقيل نحمله في روحنا خلال رحلة السعي إلى الكمال. عندما نسمع عبارات مثل "أنتِ ذكية جدًا"، أو "صوتكِ جميل"، أو "نجاحكِ استثنائي"، يستيقظ في داخلنا خوفٌ مفاجئ من السقوط عن هذا العرش الذي وضعنا عليه كلام الناس. هنا يصبح الثناء مصدر تعب وضغط بدلًا من أن يكون سببًا للاحتفال، وعوضًا عن الشعور بالفخر، تتسارع مخاوفنا من الخطوة التالية التي نشعر بأنها قد تخيّب الآمال.

 

النقد القديم وإطراء الحاضر

يميل الدماغ بالفطرة إلى حفظ النقد بدقّة أكبر بكثير من الاحتفاظ بالثناء، وهو ما يُعرف بـ انحياز السلبيّة. فإذا مررتِ بطفولة، أو بيئة عمل، أو علاقات سابقة سادها التشكيك والنقد المتكرّر، فمن الطبيعيّ أن يعتاد عقلكِ على توقّع الأذى، فيبدأ ببناء دروع دفاعيّة لحمايتكِ من الحزن والانكسار. لذلك، عندما تسمعين عبارات الثناء الصادق أخيرًا، ستشعرين وكأنكِ تستمعين إلى لغة غريبة لا ترتاحين لها؛ فقط لأنّكِ اعتدتِ استلام القسوة بدلًا من اللطف.

 

الحذر العاطفي والجراح القديمة

إذا خضتِ تجارب قاسية وعانيتِ من التلاعب العاطفي في علاقات كان فيها الإطراء وسيلة خبيثة للوصولِ إلى غايات معيّنة، فمن الطبيعيّ ألّا تستقبلي الثناء بقلب مفتوح وأن تصبحي أكثر حذرًا وتحفّظًا. يمرّ المديح حينها عبر مصفاة عاطفيّة تجعلكِ تتساءلين: "ماذا يريدون مني؟"، "ما الثمن المطلوب مقابل هذه الكلمات؟"، "هل أصبحتُ مدينَةً للشخص الآخر بسبب هذا الإطراء؟". بالنسبة للآخرين، قد يبدو ذلك نوعًا من "التواضع المفرط"، ولكنه في الحقيقة درع حماية عاطفي صنعتِه بنفسكِ لحماية قلبكِ من الأذى.

 

الحلّ: التوقف عند كلمة "شكرًا"

في المرة القادمة التي يخبركِ فيها أحدهم كم أنتِ متألقة، أو يحتفل بنجاحكِ في مشروعٍ ما، قاومي رغبتكِ الفورية في التبرير أو التقليل من شأن اللحظة. خذي نفسًا عميقًا، ابتسمي بصدق، وقولي فقط: "شكرًا". اسمحي لنفسكِ بالتالي بتلقّي الإطراء دون أن يتولى صوت الناقد الداخلي مهام الردّ عنكِ.

المزيد
back to top button