يقَع الحقّ عليّ بالذي حصَلَ لي، فلولا اختياري لزوجتي لَما مرَرتُ بهذه التجربة الأليمة. فدافعي الأوّل كان التباهي بنفسي بسبب سنّي، لإثبات أنّني لا أزال شابًّا وقادِرًا على الحصول على أفضَل امرأة. أفضَل امرأة؟ بالطبع ليس بالمفهوم العام، بل بمفهوم ذكوريّ بَحت. فكانت كلّ المواصفات التي بحَثتُ عنها مُتوفِّرة بِسارة: الشباب والجمال، الجاذبيّة والدّلَع. لَم يهمّني أنّها كانت تصغرُني بثلاثين سنة أو أنّها مِن طبقة بسيطة، فمالي ومركزي كانا كافِيَين لإقناعها بي وتحويلها إلى سيّدة أنيقة تليقُ بي وبِمُحيطي.
فبعد أن تعرّفتُ عليها في إحدى المحلّات التي تبيعُ الملابس الرجاليّة، صِرتُ أحومُ حولها بانتظام إلى أن دعَوتُها في إحدى المرّات إلى العشاء في مطعم أنيق، مُضيفًا أنّني سأتكفَّل بشراء كلّ ما يلزمها مِن ملابس لهذه الدعوة. تردّدَت سارة قليلًا، ثمّ قبِلَت شرط أن نكون فقط أصدقاء. إبتسمَتُ لدى سماعي ذلك، فبمُجرّد قبولها هي دخلَت لعبتي التي كان الهدف منها الحصول عليها. وبعد بضع لقاءات مِن هذا النوع، صرتُ أتباهى بها أمام معارفي الرجال الذي هنّأوني على "صَيدي". أمّا بالنسبة لمعارفي الإناث، فكلّهنّ عاتَبنَني وحذَّرنَني مِن هكذا علاقة. لَم يهمّني الأمر، فكنتُ بحاجة إلى رفع معنويّاتي، بعد أن قضَيتُ سنوات أتحمَّل تداعيات مرَض زوجتي ومِن ثمّ موتها. فكان يحقّ لي أخيرًا أن أعيشَ سعيدًا! أخفَيتُ علاقتي بسارة عن ابنتي المُغترِبة، فهي كانت بِسنّ سارة، وكنتُ أعلَم مُسبقًا رأيها بالموضوع، أمّا بالنسبة لإبني المُتزوّج، فهو لَم يكن يأبه لي، بل فقط للمصروف الذي كان يتقاضاه شهريًّا منّي، فلطالما كنتُ أمدّه بالمال وكان موافِقًا على كلّ ما أفعله.
ومع الوقت، صِرتُ مُتعلِّقًا بسارة، ولَم أتصوّر أنّني سأقَع بغرامها، بل اعتبرتُها تسلية مؤقّتة وليس أكثر. أمّا بالنسبة لها، فهي بدَت لي مفتونةً بي، كَوني أكبَر منها سنًّا وأكثر حكمة... وثراءً. فعندما طلبتُ يدَها، هي وأهلها وافقوا مِن دون تردّد، واضطرِرتُ حينها لإخبار ابنتي عن زواجي المُرتقَّب. وحصَلَ ما توقّعتُه، فهي غضِبَت منّي كثيرًا، ونعَتَتني بالمجنون وغير الناضِح وذكّرَتني بأمّها وكيف أنّني سأستبدلُها بإنسانة لا تُشبهُها بشيء، بل العكس. حاولتُ تهدئتها مِن دون جدوى، وهي اعتذرَت عن حضور حفل زواجي، الأمر الذي أحزَنَني كثيرًا لكنّني مضيتُ بمشروعي.
أحبَّت سارة حياتها معي، إذ أنّها انتقلَت إلى منزل كبير وجميل ومُجهَّز بأحدَث التقنيات، وبِعامِلة منزل تُريحُها مِن واجباتها. على كلّ الأحوال لَم يكن مطلوبًا منها أن تفعل شيئًا، بل فقط أن تكون شابّة وجميلة وأنيقة لإرضاء غروري. أمّا بالنسبة لحياتنا الحميمة، ففعلَتُ جهدي لأكون على قدر الحِمل... بمُساعدة بعض الأقراص المُعدّة لهذا الغرض، فلا تنسوا أنّني بلغَتُ سنًّا لا يُمكّنُني مِن التمتّع بحالة جسديّة تليقُ بامرأة في مثل سنّ ابنتي.
عائلة زوجتي كانت مُمتنّة مِن حظّ سارة، فهم أيضًا استفادوا مِن "الصهر الثريّ" إذ أنّني كنتُ كريمًا معهم فردًا فردًا، فتغيَّرت أحوالهم إلى الأفضل، الأمر الذي حمَلَهم على التعلّق بي أكثر والموافقة على كلّ ما أُقرِّره. بكلمة، كنتُ سعيدًا باختياري وبحياتي بالأجمال.
قد تنتهي قصّتي هنا، إلّا أنّ الحياة ليست كتلك الروايات التي نقرأها أو نتمنّاها أن تحصل لنا. فزواجي كان منذ الأوّل مبنيًّا على أسُس خاطئة، ولا يُمكنُه أن يكون ناجِحًا مهما حاوَلتُ وفعلتُ. فكانت سارة صبيّة مُفعمة بالحياة، قبِلَت بي فقط لأنّني أستطيع إعطاءها ما كانت تتمنّاه مِن الدنيا، وهي كانت بالنسبة لي انتصارًا على العمر الذي بدأ يُخيفُني وخلتُ أنّ باستطاعتي إيقافه.
حمِلَت زوجتي بِبنت، وكانت فرحتي كبيرة بالرغم مِن أنّني كنتُ في البدء غير مُتحمِّس لفكرة أن أكون أبًا مِن جديد. فكنتُ أعرفُ أنّ جسَد زوجتي سيتغيَّر ولن يكون لدَيها الوقت لي أو لحياتنا الاجتماعيّة. لكنّ الجنين أعطاني شعورًا بالأبوّة كنتُ قد نسيتُه، فتذكّرتُ ابنتي التي لَم تعُد تتواصَل معي منذ أكثر مِن سنة وشعرتُ بالحزن الكبير. لكن سرعان ما أزَلتُ تلك الفكرة مِن رأسي، وانتظرتُ بفارغ الصبر ولادة صغيرتي، فهي كانت بمثابة تأكيد على رجوليّتي التي لَم أفقِدها بفعل سنّي.
وُلِدت ابنتي شقراء اللون واستغرَبتُ الأمر لكن قيلَ لي إنّ جدّة سارة، رحمها الله، كانت أيضًا شقراء، فنسيتُ الموضوع خاصّة أنّها ورِثَت جمالها مِن سارة، ما كان مدعاة للفخر أيضًا: زوجة جميلة ومولودة جميلة، نجاح على طول الخط! ثمّ تفاجأتُ بابنتي البِكر وقد جاءَت لتهنئني فامتلأ قلبي بالسعادة، لكنّها تجمدَّت حين رأَت الصغيرة ونظرَت إليّ بِرَيبة واضِحة فأسرعتُ بالقول: "إنّها تُشبِه إلى حدّ كبير جدّة سارة"، وهي هزَّت برأسها وتمتمَت بضع كلمات تهنئة ثمّ رحلَت بصمت. لَم أعِر للأمر أهمّيّة كبيرة... آنذاك.
مرَّت الأشهر ثمّ السنة، إلى حين تعرّفتُ إلى أحَد أقرباء زوجتي وكان قد عادَ مِن السفر وأرادَ أن يراني وصغيرتي، فدعوناه للعشاء عندنا. ولحظة ما رأيتُ مُنير قلتُ له: "أعرفُكَ مِن مكان ما! ألَم نتقابَل مِن قَبل؟". حاولتُ معه أن نجِد أين ومتى تلاقى دَربانا، لكن مِن دون نتيجة ونسيتُ الموضوع، وجلَسنا سويًّا نتكلّم عن عالَم الأعمال والتجارة إذ أنّه كان في المجال نفسه. للحقيقة أحبَبتُ ذلك الشاب، إذ أنّه كان يُذكّرني بنفسي عندما كنتُ في مثل سنّه، ولَم أتردّد أبدًا مِن عرض وظيفة له في شركتي عندما قالَ لي إنّه يبحَث عن عمَل في البلَد. سُرَّت سارة كثيرًا، وقالَت لي بعد أن غادَرَ ضيفنا: "أنا فخورة بكَ يا حبيبي، فأنت إنسان عظيم ويوم تعرّفتُ عليكَ كان أفضَل يوم في حياتي!". عانقتُها وشعرتُ بدفء كلماتها في قلبي، الأمر الذي عزَّزَ مِن غروري وامتناني بنفسي.
وصارَ مُنير صديق العائلة، إذ أنّه كان موظّفًا دؤوبًا عرَفَ تمامًا كيف يقومُ بِعمَله لدَيّ. إضافة إلى ذلك، هو كان نسيب زوجتي أيّ نسيبي أيضًا، فدعوتُه باستمرار إلى مُشاركتنا وجباتنا واللقاءات التي كنتُ أُنظِّمها في بيتي. للحقيقة، كانت لدَيّ مشاريع في ما يخصُّه، إذ أنّني أرَدتُ إعطاءه الفرَص التي لَم أحصل عليها بسهولة في شبابي، فهو كان صورة مصغّرة عنّي. وعَدتُه بترقيَته إن هو استمَّر بمساره المُمتاز، وتفاخَرتُ لدى زوجتي باهتمامي به. على كلّ الأحوال، كلّما فعلتُ شيئًا مِن أجل مُنير، كانت زوجتي تُعيرُني انتباهًا فائقًا وكأنّها تشكرُني على مُساعدة عائلتها.
ثمّ جاءَني اتّصال غير مُتوقَّع مِن ابنتي البِكر، فهي كانت قد رأت صوَرًا نشرَتها سارة على صفحتها على مواقع التواصل تضمّ عائلتي الصغيرة وبعض المدعوّين إلى العشاء ومِن بينهم مُنير. وسألَتني بعد أن أرسلَت لي الصورة عبر الهاتف:
ـ مَن ذلك الشاب الواقِف إلى أقصى اليمين؟
ـ آه، أنّه قريب زوجتي وموظّف لدَيّ اسمه مُنير.
ـ لَم أرَه مِن قَبل في أيّ مِن الصوَر، فأنا أُتابِع صفحة سارة منذ زواجكما. وهو لَم يكن أيضًا في صوَر الفرَح.
ـ هذا لأنّه كان مُسافِرًا... ولقد أعطَيتُه وظيفة في شركتي وباتَ فردًا مِن دائرتنا. لماذا تسألين؟
ـ إسمَع، ما سأقولُه لن يُعجبكَ لكنّكَ أبي وعليّ تنبيهكَ. أعلَمُ أنّكَ لن تُكلّمني بعد اليوم وهذا لا يهمُّني بقدر الحفاظ على سمعتكَ وكرامتكَ.
ـ ما الأمر؟!؟
ـ هناكَ شيء يدورُ بين زوجتكَ ومُنير... سأُرسلُ لكَ صورة أخرى مِن العشاء نفسه، وسترى فيها كيف أنّ سارة تنظرُ إليه... إضافة إلى ذلك... كيف أقولُ ذلك... حسنًا! الشَبَه بين مُنير وابنتكَ، شَبَه صاعق ويُثيرُ التساؤلات!
ـ كنتِ على حقّ، لن أُكلّمكِ بعد اليوم.
أقفلَتُ الخط وأنا أرتجِف مِن الغضب! فكيف لابنتي أن تقول لي هذه الكلمات الجارِحة؟!؟ هل تكرهُني لدرجة تدمير زواجي وعائلتي؟
ثمّ تذكّرتُ كيف شعرتُ أنّني أعرفُ مُنير لحظة رأيتُه، لكنّني رفضتُ هذه الفكرة بسرعة. فلَن أدَع أحَدًا يُخرِّبُ سعادتي! إلّا أنّني لَم أتمكَّن مِن تجاهل النظرات التي تتبادَلها سارة مع مُنير كلّما جاء إلينا، الأمر الذي لَم أنتبِه إليه مِن قَبل.
وذات يوم، عندما كان مُنير عندنا، أعطَيتُه ابنتي الصغيرة ليُلاعِبها وجلَستُ قُبالتهما. وبلحظة شعرتُ بِدَمي يغلي في جسَدي إذ أنّ الشبَه كان فاضِحًا، فقد كان الأمر وكانّ صغيرتي نسخة طبق الأصل عنه. عندها قلتُ له:
ـ أنا بحاجة إلى جواز سفَركَ، فلدَينا سفرة صغيرة إلى زبائننا في الخارج.
ـ ليس لدَي جواز سفَر.
ـ كيف، وأنتَ كنتَ تعيشُ في الخارج. ألَم تحتَج له لتعود إلى البلَد على الأقلّ؟
ـ أقصد أنّني أضَعتُه، سأُقدِّم طلَبًا لجواز جديد.
ـ أنتَ لَم تكن تعيشُ في الخارج، أليس كذلك؟
ثمّ استدَرتُ نحو سارة وقلتُ لها:
ـ منذ متى وأنتِ على علاقة به؟ إنّها ابنته، أليس كذلك؟
نظرَت زوجتي إلى عشيقها مُستنجِدة وهو نظَرَ إليها وكأنّه يقولُ لها ألّا تُجيب، ثمّ قفَزَ مِن مكانه وأعطى الصغيرة إلى أمّها صارخًا بها أن تدخل الغرفة، وانقضَ عليّ كالمجنون وبدأ يضربُني بوحشيّة حتّى أن فقدتُ وعيي... لبضع ثوان فقط. خالَ مُنير أنّني لا أزال فاقِد الوعي فاستدعى سارة وقال لها: "ستقولين للشرطة إنّ لصًّا دخَلَ البيت ليسرقُكما، وإنّ زوجكِ فاجأه لكنّ اللصّ تغلّبَ عليه وقتلَه". علِمتُ في لحظة أنّ حياتي على وشك أن تنتهي فبدأ قلبي يدقُّ بسرعة فائقة، لكنّني بقيتُ في مكاني أدّعي أنّني لستُ مُدرِكًا ما يحصل ويُقال. لكنّ سارة أجابَته: "لا، ليس هذا ما خطّطنا له، كنّا سنهربُ سويًّا بعد أن آخُذ معي كلّ ما أستطيع... لا أريدُه أن يموت، لا أُريدُ أن أصبَحَ قاتِلة!". تشاجَر العشيقان لدقائق خلتُها ساعات، وتمكّنَت سارة مِن إقناع مُنير بِتَركي حيًّا بعدما قالَت له: "إن قتلتَه فعليكَ قتلي أيضًا! أنا خائنة ونصّابة لكن لستُ قاتِلة! وماذا عن ابنتنا؟ هل هذه هي الحياة التي تستحقّها؟ أن يكون والداها مُجرمَين؟!؟ إذهب الآن ولا تعُد، وسأرى أنا ما بإمكاني فعله، إذهَب!
لَم أُصدِّق أنّ مُنير اقتنَعَ أخيرًا منها، فرَحَل لكن ليس قَبل أن يتبادَل مع زوجتي ما افترَضتُ أنّه قُبلة عميقة أو عناقًا طويلًا. ثمّ اقتربَت سارة منّي وتفحصَّتني، وراحَت تجلبُ ماءً نثَرَته على وجهي لأستفيق، ثمّ قالَت لي عندما فتَحتُ عَينَيّ: "علينا أن نتكلّم".
كانت زوجتي قد أنقذَت حياتي، فلولاها لَما كنتُ الآن أروي قصّتي، لذا لَم أقسُ عليها، بل طلّقتُها بعد أن أعطَيتُها مالًا كافيًا لتهتمّ بصغيرتها التي تعلَّقتُ بها. وهي رحلَت واعِدة بأنّني لن أسمَع عنها بعد ذلك. وقد علِمتُ منها أنّها كانت على علاقة سابِقة بمُنير، لكنّه كان فقيرًا ولا يستطيع الزواج منها. وعندما دخلتُ حياتها، إنبَهَرَت بِمالي وجاهي فتركَت حبيبها ونسيَته لفترة، لكنّه عادَ وأقنعَها بمُتابعة علاقتهما سرًّا والزواج بعد أن تجمَع ما يكفيهما مِن مال. إلّا أنّها حمِلَت منه وأنجبَت تلك الصغيرة الشقراء، فخافا طبعًا أن يُفضَح أمرهما. لذا إدّعى مُنير أنّه قريبها ليبقى موجودًا في الصورة ويُتابِع عن كثَب الأحداث، لأنّ سارة عاطفيّة وحسّاسة فوق العادة. وباقي الأحداث باتَت معروفة منكم...
...سوى أنّ مُنير لَم يتزوَّج سارة بحجّة أنّه لن يقدِر على إعطائها الحياة التي اعتادَت عليها معي...وسافَرَ حقًّا تارِكًا وراءه ابنته. للحقيقة أسِفتُ على الطفلة، لكنّني تذكّرتُ أنّ لدَيّ ابنة واحِدة وعليّ إرجاع الرابِط بيننا... وأنّ عليّ أن أقبَلَ بأنّ للحياة حقوق عليَّ وهي التقدّم في السنّ والشيخوخة. وإن أرَدتُ بناء حياتي مع إنسانة، عليها أن نكون مِن جيلي، وتكون رفيقة دَربي لِما تبقّى لي مِن عُمر.
حاورته بولا جهشان