أين اختفى زوجي؟ (الجزء الثاني)

كان قلبي يدقُّ بقوّة وأنا أستعِدُّ لِلقاء عامِر، إبن عمّ زوجي، وسبب ذلك الاضطراب كان خوفي مِن أن تكون شكوكي في محلّها، واشمئزازي مِن ذلك الرجُل القذِر. فلولا حاجتي الماسّة لمعرفة إن كان لِعامِر ضلع في اختفاء زوجي الحبيب، لمَا كانت هناك قوّة في العالَم تجبِرُني على رؤيته فيما هو ظنَّه موعدًا غراميًّا.

إبتسَمَ عامِر لدى دخولي المقهى، فقامَ عن كرسيّه وأمسَكَ بِيَدي وقبَّلها. أسرَعتُ بِسَحبها منه وجلَستُ قُبالته وعلى وجهي بسمة أرَدتُها مُقنِعة. تبادَلنا بعض الأحاديث غير المُهمِّة، ثمّ هو سألَ عن الأولاد وأضافَ:

ـ لو تعرفين كَم أُحِبُّ هؤلاء الصغار!

 

ـ حقًّا؟ ولماذا؟

 

ـ لماذا؟ لأنّهم أولاد صالِح طبعًا!

 

ـ قُل لي، ما كانت نوعيّة علاقتكَ به؟ فخلال زواجي مِن صالِح، لَم أرَه معكَ أو سمعتُه يتحدَّث معكَ عبر الهاتف.

 

ـ هذا لأنّني كنتُ مُسافِرًا لِمدّة طويلة.

 

كان عامِر يكذِب، فهو لَم يُسافِر إلى أيّ مكان. وإن غابَ، فلِفترة مِن الوقت حين دخَلَ السجن، بعد أن تشاجَرَ مع أحَد رفاقه حول مبلغ مِن المال وطعَنَه بسكّين مِن دون أن يتسبَّب بموته. لَم أُكذِّبه، بل قلتُ:

ـ كَم أُحِبّ السفَر... لَم يأخذني صالِح لأيّ مكان!

 

ـ أنا أفضَل مِن صالِح بكثير... فأنا أعرِفُ كيف أُعامِل النساء!

 

قلتُ ذلك عن قصد، لأنّ في بالي خطّة، وهي أن أدّعي أنّ زوجي لَم يكن عظيمًا، وذلك ليطمئنّ بال عامِر ويبدأ بالكلام. كنتُ أعي أنّ الأمر قد يتطلَّب بعض الوقت، وأنّني سأضطرّ لِتحمّل وجود ذلك الرجُل في حياتي، لكنّ المسألة كانت تستحقُّ ذلك. شيء واحِد أخافَني، وهو أن يكون عامِر حقًّا السبب في عدَم عودة صالِح إلينا، وبصورة دائمة. يا إلهي، أرجو أن أكون مُخطئة!

أعطَيتُ عامِر قائمة أمور أحبُّها وأودُّ القيام بها "لأنّ صالِح لَم يؤمِّنها لي"، وهو وقَعَ في الفخ كالمبتدئ، فليس هناك مِن حافِز للرجال أقوى مِن وضعهم في مُنافسة مع بعضهم البعض.

بدأتُ أخرجُ مع ابن عمّ زوجي، لكن ليس لوحدي، فمَن يعلَم ما بإمكانه فعله لإجباري على الزواج منه؟ بل أخذتُ في كلّ مرّة أحَد أولادي أو جميعهم. ألَم يقُل عامِر أنّه يُحبُّهم؟

وصَلَ الخبَر لأهل زوجي، ففرِحوا. ومع أنّني لَم أتفاجأ، بقيتُ أسأل نفسي كيف لهم أن يعتبروا إبنهم ميّتًا ويقبَلوا أن يُستبدَل بآخَر. هل كنتُ الوحيدة التي لا تزال تؤمِن بعودة رجُلها؟ أعلَم أنّ الأمر مُستبعَد جدًّا، وأنّه لو كان حيًّا لَعادَ أو علِمنا شيئًا عنه، فالإنسان لا يُمكنه الاختفاء هكذا ولسنوات مِن دون أن يراه أحَد ولو صدفة. قسم منّي فهِمَ أنّه ماتَ، والقسم الآخَر بقيَ يؤمِن ويحلم. لكنّني كنتُ شِبه مُتأّكِدة مِن أنّ لِعامِر دخلًا بالموضوع، وهذا ما كنتُ أنوي اكتشافه.

ففي إحدى المرّات، عندما كنّا جالسَين في مطعم جميل بينما كان أولادي يلعبون بعيدًا، قلتُ لابن عمّ صالِح:

ـ آه... يا للجلسة الجميلة... أنظر إلى الأولاد... كَم أنّهم سعداء، فلَم يخرجوا مِن قَبل إلى مطعم!

 

ـ ذلك البخيل حرَمكم مِن أمور كثيرة!

 

ـ لَم نرَ لون ماله إلّا عند الضرورة... وللمرأة طلبات ومُتطلبّات عديدة.

 

ـ وأنا جاهِز! أطلبي فقط!

 

ـ للحقيقة، لَم أعُد أعلَم ما أفعَل... ها أنتَ تهتمّ بي وبالأولاد، وتفعل ذلك أفضل بكثير مِن صالِح لكن... ماذا لو عادَ يومًا؟ ماذا لو عُدنا إلى حياتنا المُمِلّة معه؟ كيف سيتقبَّل أولادنا المساكين هذا التغيير المُفاجئ؟ بالي مشغول كثيرًا على صحّتهم النفسيّة، خاصّة بعدما اعتادوا على وجودكَ في حياتهم... وفي حياتي.

 

وإبتسَمتُ لِعامِر وأنا أقولُ هذه الكلمات الصعبة عليّ، ثمّ أمسَكتُ ِبيَده قَبل أن أذرِفَ دمعًا عصيًّا. عندها هو وضَعَ يَدي بين يدَيه وشدَّ عليها، وقالَ لي وهو ينظرُ في عَينَيّ:

ـ لا تخافي، هو لن يعود.

 

ـ لكن ماذا لو...

 

ـ أقولُ لكِ إنّه لن يعود!

 

ـ وكيف تكون مُتأكِّدًا مِن ذلك، في حين لا أحَد يعلَم ما حدَثَ له وأين هو؟

 

ـ لأنّني قتلتُه ودفنتُه بيَدَيَّ.

 

لدى سماعي تلك الجملة، كاد قلبي أن يتوقّف عن الخفقان، ولزِمَتني قوّة هائلة لِعدَم فقدان أعصابي والبدء بالبكاء والصراخ والتهديد. بقيتُ صامِدة وفتحتُ حقيبة يَدي مُدّعية جَلب محرمة لِمَسح دموعي، لكن في الواقِع أدَرتُ مُسجِّلة الهاتف الموجود في الحقيبة التي أبقَيتُها مفتوحة. كانت يَدايَ ترتجفان داخل الحقيبة وخفتُ أن ينتبِه عامِر لِما أفعله، لكن كان لابدّ لي أن أحفظ ما يقوله وسيقوله عن موت زوجي، وإلّا لَكانت أقوالي ضدّ أقواله ويُفلِت مِن العقاب. أرَدتُ أن أنتقِم لصالِح مهما كان الثمَن! فتابَعتُ:

ـ قتلتَه ودفَنتَه؟ أنتَ تُراوِغ! تقولُ ذلك لِتطميني فقط!

 

ـ أقسمُ لكِ أنّني فعلتُ! لكن بعد ذلك، شعَرتُ بالذنب فبدأتُ أدفَع مصاريفكِ والأولاد، وخطَرَ ببالي الزواج منكِ لأستُرَ عليكِ، ففي آخِر المطاف، إن كنتِ أرملة والأولاد يتامى، فذلك بسببي. لكن بعدما رأيتُكِ وصِرنا نتواعَد، زالَ تمامًا شعوري بالذنب، فأنا أحَقُّ بكِ منه، وأفضَل منه، والآن لستُ نادِمًا على الإطلاق على ما فعلتُه. فما نفعَه في هذه الدنيا؟ لا شيء، لا شيء!

 

ـ عذرًا، لكنّني أجِدُ صعوبة بِتصديقكَ، فلماذا تقتل ابن عمّكَ؟

 

ـ لأنّني طالما كرهتُه! كان يتشاوَف عليّ دائمًا ويُعيِّرُني بأنّني خرّيج سجون ولا منفعة منّي.

 

ـ لَم أسمَعه يومًا يقولُ ذلك عنكَ!

 

ـ في تلك الليلة، صادفتُه وهو عائد مِن عمَله، فأوقفتُ سيّارته وطلَبتُ منه توصيلي إلى حانة قريبة حيث تنتظرُني إحدى السيّدات. لا تخافي، لقد قطَعتُ علاقتي بها منذ فترة.

 

ـ أكمِل.

 

ـ ونحن في طريقنا، هو بقيَ صامِتًا، ثمّ استدارَ نحوي وبدأ يعِظُني ويوبّخُني على حياتي التي وصفَها بالفاشِلة. أرادَني أن أكون أفضَل وأن أتمثَّل به. بدأتُ أغضَب لكنّني بقيتُ صامِتًا، إلى حين هو أثارَ موضوع سجني، وشعرتُ أنّه يهزأ منّي خاصّة عندما قالَ لي إنّ والدَيَّ يتبرّآن منّي حتمًا. عندها، طلَبتُ منه أن يُغيّر َمسارَه مُتحجِّجًا بأنّني نسيتُ محفظتي عند صديق لي. وبما أنّه لا يعرِف أين يسكن ذلك الصديق، أخذتُه إلى طريق يؤدّي إلى حرج موحِد ومُظلِم. أخرَجتُ سكيّنًا مِن جَيبي أحمِله على الدوام، فمَن يدري مَن أُصادِف وماذا سيحصل، وأمرتُه بالترجّل. مشينا بضع خطوات وطعَنتُه في بطنه قائلًا: "قُل لي مَن الفاشِل الآن؟!؟". وقَعَ صالِح أرضًا وبدأ يتوسّل إليّ لِتركه حيًّا مِن أجلكِ والأولاد، إلّا أنّني كنتُ غاضِبًا منه لأقصى درجة، فاستمرَّيتُ بطعنه إلى حين ماتَ. تركتُه هناك وعدتُ بسيّارته إلى بيتي وجلَبتُ معي ما أحتاج إليه لِدفنه. هل يكفي هذا لِتصديقكِ بأنّه لن يعود!

 

ـ إنّه كافٍ.

 

رجَوتُ أن أصمِدَ حتّى آخِر ذلك الموعد، مِن أجل صالح والأولاد. فلو شكَّ بي عامِر للحظة، لَصِرنا أيضًا في عداد الأموات. وبعدما أوصلَنا ذلك المجرِم إلى بيت أهلي أخيرًا، أخذتُ سيّارة أجرة وقصدتُ قسم الشرطة لأُسمِعهم التسجيل. هم كانوا يشكّون أنّ لِعامِر دخلًا باختفاء زوجي، لأنّه الوحيد بين مُحيطه الذي لدَيه سوابِق وطَبع لا يُنذِر بالخَير.

تمّ القبض على عامِر في الليلة نفسها، ومع أنّني تلقَّيتُ تهديدات عديدة مِن قِبَل عائلته، لَم أتراجَع أبدًا.

أمّا بالنسبة لأهل صالِح، فذُهِلوا لدى معرفتهم الحقيقة، فلَم يشكّوا للحظة بعامِر، بل اعتبَروه يفعل الصواب بإبداء نيّته الزواج منّي.

حُكِمَ على عامِر بالسجن المؤبَّد، بعد أن اعترفَ بكلّ شيء ودلَّ الشرطة على مكان جثّة زوجي. أفتخِرُ بنفسي لأنّني استطعتُ العثور على جثّة صالِح لإعطائه مثوىً يليقُ به، وأجوِبة لأسئلة سيطرحُها أولادي لاحقًا. لكنّ حزني لا يزال كما هو على زوجي الحبيب الذي قضى على يَد مُجرِم لا قلب له، وأدعو الله أن يجمَعَني به بعد مَماتي، فكَم اشتَقتُ له!

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button