ألَم تجِد غيره لتخونَني معه!

ألَم تجِد ندى إلّا جابِر لِتخونَني معه؟؟؟ فإضافة إلى اكتشاف خيانة زوجتي ندى لي، إكتشَفتُ أيضًا أنّ عشيقها هو أسوأ إنسان على وجه الأرض. فجابِر حكَمَ الحَيّ منذ نعومة أظفاره إذ نصَّبَه أبوه على إفزاع السكّان وترعيبهم بعد أن وجَدَ أنّ نفوذه سينتهي يومًا مع رحيله مِن هذه الدنيا. فذلك الرجُل البغيض وابنه تصرّفا وكأنّ الكلّ تحت أمرهما، فأخذا قسطًا مِن أرباح المحلّات، وتنمّرا على الصبايا، وفعلا كلّ ما يحلو لهما مِن دون عقاب. مرّة واحِدة تجرّأ أحَد سكّان الحَي واشتكى عليهما، وانتهى به المطاف... مُختفيًا بصورة دائمة. على كلّ الأحوال، حين جاءَت الشرطة للتحقيق باختفاء ذلك الشخص، فدعاهم أبو جابِر إلى منزله وحين خرجوا مِن المكان، كانوا أعزّ الأصدقاء.

وها أنا أواجِه مصيبة كبيرة مِن كلّ النواحي! لا تُسيئوا فهمي، فلستُ جبانًا، بل لا أُريدُ أن أموتَ أو أن أجِدَ نفسي في كرسيّ مُتحرِّك مدى الحياة باسم المروءة والشرَف. إضافة إلى ذلك، كان لدَي أولاد، ولَم أرِد أن يربوا مِن دون أب ومع أمّ فاسِقة وعشيقها القبيح.

ستقولون لي: لماذا لَم تذكر الطلاق؟ وجوابي هو كيف أُطلِّق زوجة وأمّ مثاليّة؟ فلن يُصدّق أو يعذرني أحَد إن ترَكتُ مِن دون سبب زوجة فاضِلة، بل سيرمون الذنب عليّ ويؤلّفون القصص عنّي. وإن طلّقتُ ندى لأنّها على علاقة بِجابِر، الذي هو أيضًا مُتزوّج، سينتقِم منّي على الفور!

لِذا، قرّرتُ أنّ الحلّ الوحيد هو السفَر، بعد أن وجدتُ عمَلًا ممتازًا في الخارج، لكن ليس لوحدي، بل بصحبة أولادي، بعد أن دبَّرتُ لهم مدرسة جيّدة بإمكانها إعطاؤهم مُستقبلًا واعِدًا. كيف سافَرتُ مِن دون ندى؟ هي وعدَتني باللحاق بي بعد فترة لأنّ أمّها مريضة ولا تجرؤ على تركها. لكنّني كنتُ أعلَم أنّها لا تُريدُ ترك عشيقها، وسفَري كان أفضَل شيء حصَلَ لها! ألَم توافِق على الانفصال ولو بصورة وقتيّة عن أولادها؟ ركِبنا للطائرة ونسيتُ أمر زواجي حين صِرنا في الجوّ.

لا أخفي عنكم أنّني فكّرتُ كثيرًا بالأسباب التي حمَلَت ندى على خيانتي، ومع شخص كجابِر. ولَم أجِد جوابًا، فكنتُ ولا أزال شخصًا طيبًّا ونزيهًا، ولَم يحدث أبدًا أن أسأتُ مُعاملتها أو الأولاد، بل بذَلتُ جهدي لإعطائهم حياة كريمة وهادئة. وأغرب ما في الأمر، هو أنّ زوجتي كانت بالفعل إمرأة خلوقة ومُحِبّة، ولا شيء في علاقتنا دلَّ يومًا على أنّها قد تفعل ما فعلَته. على كلّ الأحوال، ركَّزتُ نفسي في الخارِج مِن الناحية العمليّة ووضعتُ كلّ شيء ورائي. لَم أنسَ تطليق ندى عن بُعد، فلتفعَل ما تُريدُه لكن مِن دون أن تبقى حامِلة اسمي وتُلطِّخه!

خبَر تطليق زوجتي أثارَ بعض الكلام حولي، مفاده أنّني وجدتُ امرأة أخرى حيث أنا، ثمّ سكتَت الألسن. لَم يهمّني الأمر كثيرًا، لكنّني شرَحتُ لأولادي أنّهم سيسمعون بعض الأمور عنّي، وعليهم أن يعلَموا تمام العلم أنّها أقاويل لأنّهم يعيشون معي ولا وجود لأيّ امرأة في حياتي. لكن مِن جهة أخرى، لَم أذكر ندى بالسّوء أمامهم، ليس مِن أجلها، بل مِن أجل توازنهم النفسيّ. وأقنعتُهم أنّ أمّهم لَم تتخلَّ عنهم، لكنّها باقية إلى جانِب أمّها، وسمحتُ لهم أن يبقوا على إتّصال هاتفيّ معها بصورة دائمة. أكمَلنا حياتنا بهدوء وسعادة، إلى حين تلقَّيتُ اتّصالًا مِن ندى مفاده أنّها تُريدُ موافاتنا حيث نحن. عندها قلتُ لها:

ـ ماذا حدَثَ؟ هل تركَكِ عشيقك؟

 

ـ عمّا تتكلّم؟ أيّ عشيق؟

 

ـ لا تدّعي البراءة، فأنا على عِلم بعلاقتكِ مع الذي اسمه جابِر!

 

ـ يا إلهي... ألهذا سافَرتَ بعيدًا؟ لماذا لَم تقُل إنّكَ على عِلم بالأمر؟

 

ـ أجل، سافَرتُ لهذا السبب ولَم أقُل لكِ إنّني أعرف الحقيقة، أم أنّكِ كنتِ تفضّلين أن أواجهَكِ وجابِر لِيقتلني ويُخفي جثّتي إلى الأبد؟ فأنتِ لا تستحقّين هذه التضحية، صدّقيني!

 

ـ أنا لَم...

 

ـ هل ستنكرين؟ إنّنا مُطلّقَان ولَم يعُد هناك مِن حاجة للكذِب، إعترفي!

 

ـ أنتَ على حقّ... أقَمتُ علاقة مع جابِر لكن...

 

ـ لكن ماذا؟ هو تركَكِ؟ قوليها!

 

ـ بل أنا تركتُه.

 

ـ لماذا؟ هل سئمتِ منه كما سئمتِ منّي؟

 

ـ لَم أسأم منكَ يومًا.

 

ـ إذًا أنتِ فاسِدة مِن الداخِل! كيف تخونين زوجًا وأبًا طيّبًا ومُتفانيًا؟

 

ـ خنتُكَ لأنّني أحبُّكَ!

 

ـ هاهاها! أنتِ بالفعل تظنّين أنّني مُغفّل!

 

ـ صدِّقني... ترَكتُ جابِر بعد أن اطمأنَّيتُ عليكَ حين سافَرتَ وطلّقتَني.

 

ـ ماذا تعنين؟

 

ـ أعني أنّ لَم يعُد هناك مِن خطَر عليكَ أو على الأولاد، ولهذا السبب لَم أُمانِع أن يُرافقوكَ.

 

ـ أكمِلي.

 

ـ جابِر... كان يُريدُني منذ فترة طويلة... فهو يعرفُني منذ صِغري لأنّنا تربَّينا في الحَيّ نفسه. وعندما كبرَ وتمكَّنَ مِن بسط سيطرته على المنطقة، قرَّرَ أنّ عليّ أن أكون له. بالطبع رفضتُ إقامة علاقة معه، فأنا إمرأة شريفة وأحبُّكَ كثيرًا، وهذا ما قلتُه له، لكنّه أجابَ أنّه سيجعل منّي أرملة إن رفضتُ، وأنتَ تعلَم أنّ بإمكانه تنفيذ تهديده. وبعد أن توسّلتُ إليه أن يتركَني وشأني مرّات لا تُحصى، ووجدتُ أنّ الأمر يزيدُ مِن إصراره عليّ، إستسلَمتُ له أخيرًا.

 

ـ وهل تتوقّعين منّي أن أُصدّقَكِ؟؟؟

 

ـ لدَيّ إثباتات عديدة... لدَيّ رسائل هاتفيّة بالمئات، وشهود.

 

ـ شهود؟ ومَن على عِلم بالموضوع؟

 

ـ أمّي.

 

ـ أمّكِ تعلَم بوجود عشيقٍ لكِ؟؟؟ أمّكِ الملاك؟

 

ـ أجل... هي خافَت ليس فقط عليكَ، بل أكثر على الأولاد، فنصحَتني بأن أقبَل بجابِر لإنقاذكم. ثمّ ادّعَينا مرَضها لأجِد عذرًا لِعدَم السفَر معكَ.

 

أرسلَت لي ندى مراسلاتها مع جابِر، وتكلّمتُ مع حماتي السابِقة التي كانت بالفعل سيّدة مُحترمة وعاقِلة، وهي قالَت لي:

ـ أنتَ لا تعرِف جابِر جيّدًا أو أباه... بل نحن نعرفُه أكثر منكَ، فقد عشنا معهما الرعب والترهيب بشكلّ يوميّ.ٍٍ أنتَ انتقلتَ للعيش في حينا بعد زواجكَ مِن ابنتي ولا تُدرك مدى أذيّته وجدّيّته في تهديده للناس. فإن أرادَ ندى، سينالها حتّى لو عنى ذلك إبادَة كلّ مَن يقِف في طريقه. نحن لا نطلب منكَ أن تُسامِحها أو تردَّها كزوجة، بل فقط أن تسمَح لها بالسفَر إليكم والعَيش بالقرب مِن أولادها.

 

أعترِفُ أنّني ذُهِلتُ بهذا الكمّ مِن المعلومات الجديدة، ولَم أعُد أعلَم ما عليّ فعله. كانت هناك أدِّلة قاطِعة وما هو أهمّ، تفسير منطقيّ لخيانة زوجتي السابِقة، لأنّها لطالما كانت إنسانة مُحِبّة ووفيّة، وما هو أهمّ، فهِمتُ أخيرًا سبب اختيارها لجابِر، الأمر الذي كان يُحيّرُني. تحمَّستُ كثيرًا لفكرة الانتقام، فخطَرَ ببالي أن أُسافِر إلى البلَد وألَقِّن جابِر درسًا شديدًا، لكنّني تعقّلتُ بعد أن أدرَكتُ أنّ الشرطة نفسها لا تستطيع قَمعه.

لَم أردّ ندى كزوجة لي، بل دبَّرتُ لها عمَلًا حيث أنا ومسكنًا لا يبعُد عن الأولاد. فالحقيقة أنّني وجدتُ صعوبة بإرجاع عقارِب الساعة إلى الوراء بعدما عاشَرَت التي كانت زوجتي رجُلًا آخَر.

وبعد أشهر، وصلَت ندى أخيرًا، وكان اللقاء صعبًا للغاية، فمِن جانبي كنتُ مُحرَجًا ولا أعرفُ أيّ موقف آخذُ منها، هل أكون مُعاتِبًا للخيانة أو ممتنًّا لها لأنّها أنقذَت حياتي عندما ضحَّت بنفسها مِن أجلي؟ هي الأخرى كانت مُحرَجة، ففي آخِر المطاف، هي أعطَت نفسها لغَير زوجها وألَّفَت أكاذيب عديدة. أمّا بالنسبة للأولاد، فكان ذلك أجمَل يوم في حياتهم! شرحَنا لهم أنّ أمّهم لن تعيش معهم، بل بالقرب منهم وهم لَم يفهموا لماذا.

ثمّ بدأَت ندى تأتي إلى البيت أسبوعيًّا لترى الأولاد، فنجلسُ سويًّا وكأنّنا عُدنا عائلة مثاليّة، قبل أن تعود إلى شقّتها الصغيرة. لا أخفي عنكم أنّني كنتُ سعيدًا خلال تلك الزيارات وحزينًا حين ترحَل، لكنّني لَم أقُل لها ذلك... إلى حين أصرَّ عليها الأولاد أن تبيتَ عندنا في إحدى الأمسيات، وسمحَتُ لها بذلك لكثرة بكاء صغارنا. وفي الصباح، حين وجدتُ ندى في المطبخ تحضّرُ لنا الفطور كما فعلَت مئات المرّات في ما مضى، علِمتُ أنّ مكانها هو بيننا وإلى الأبد. ومنذ ذلك الصباح، لَم تُغادِر ندى المنزل، بل تزوّجنا بعد أشهر قليلة وعادَت المياه إلى مجاريها. حضَّرنا أوراق حماتي، وهي قدِمَت إلينا بعد فترة لتجنيبها العَيش حيث هو جابِر، الذي لَم يرق له أن سافرَت ندى إليّ وتزوّجنا مِن جديد.

جابِر... ماذا حدَثَ له؟ إنتهى المطاف به ميّتًا بعد أن وجدوه في إحدى الأزِقّة ورصاصة في رأسه. ربّما كانت تلك فعلة زوج مغدور أو أحَد مُنافسيه. على كلّ الأحوال، إرتاحَ الحَيّ منه إلى الأبد ولَم يذرِف أحَدٌ دمعة واحِدة عليه!

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button