كم من مرّة يدفع الأولاد ثمن أخطاء أهلهم... وما ذنب هؤلاء الأبرياء ليقضوا حياتهم عرضة للسخرية أو التمييز ويلاحقهم العار حتى باقي عمرهم؟
الذنب كان ذنبي فلم يجبرني أحد على ما فعلته ولكن دافعي كان الحب وعندما يحب المرء لا يعود يفكرّ سوى بالأحاسيس التي تجتاحه.
أحببتُ زياد وكان متزوّجاً وكنتُ أعرفُ ذلك منذ البداية ولكنّه كان كل ما تمنيّته يوماً بِرجل ولم آبه بكونه مرتبط بأخرى. أمّا هو فلم يحبّني بسبب إحترامه العميق لزوجته وأم أولاده فكنتُ بالنسبة له أشبه بنزوة أو مغامرة للتمويه عن نفسه بعد سنين طويلة من الإرتباط وكان هذا يكفيني طالما كان بِجانبي ولو في بعض الأحيان. لم يقل يوماً أنّه سيطلّق ولم أجرؤ أن أطلب منه أن يفعل لأنني كنتُ أعرف مسبقاً الجواب.
كنّا نلتقي في أماكن هادئة وبعيدة ونقضي معظم وقتنا في شقّة صغيرة كان يملكها منذ زمن طويل عندما كان يدرس في الجامعة. هناك ولساعات قليلة كنتُ أتخايل أننا متزوّجان ونعيش حياة هنيئة سويّاً.
بقِيَت علاقتنا سرّية حتى اليوم الذي جاء فيه إلى مبنى شقّة زياد ناطوراً جديداً وشاءت الصدف أنه يعرف أهلي جيّداً فأسرع بإخبارهم بما يجري وعندما عدتُ إلى المنزل ذات ليلة كان أبويّ بإنتظاري ومن سماتهما علِمتُ فوراً أن شيئاً لم يكن على ما يرام. واجهاني بما علماه عن علاقتي بزياد ولم أنكر. وبعد أن صرخ أبي بي كثيراً ونعتني بألقاب مشينة وقامت أمّي بتهدئته قليلاً خيّراني بينَ أن أترك عشيقي أو أرحل من البيت. وبما أنني كنتُ في العشرين من عمري ولم يكن لديّ أي خبرة في الحياة والمجتمع إخترتُ أن أترك البيت. بكَتْ أمّي كثيراً وخاب أمل أبي بإبنتِه ولكنني لم أتأثرّ لأن فكرة أن أعيش مع حبيبي كانت الأهم بالنسبة لي. حضرّتُ حقيبة وتوجّهتُ إلى الشقة ووضعتُ أغراضي في الخزائن. وعندما وصل زياد تفاجأ بالوضع. شرحتُ له ما حصل ولكنّه غضب منّي:
- من قال لكِ أن تفعلي هذا؟
- ولكن حبيبي... كان عليّ أن أختار بين البيت وبينكَ وبالطبع إخترتُكَ أنتَ.
- أنتِ تعلمين أننا لن نكون يوماً سويّاً وما بيننا مؤقّت.
- ولكن... خلتُ أنكَ ستفرح وترى أخيراً أننا خُلقنا لبعضنا.
- حاولي أن تعودي إلى منزلكِ.
- لن أعود وأنا ماكثة هنا فأنا فعلتُ ذلك حبّاً بكَ. عليكَ أن تتحمّل مسؤوليّة جزء من علاقتنا على الأقل أو أنَّك تتسلّى فقط معي؟
لم يجب وخرج من الشقة دون أن ينظر ورائه.
بقيتُ هناك لوحدي لأيّام ثم عاد إليّ ولكن لم أرَ على وجهه علامات الشوق أو الفرح. كان بارداً وبالكاد يبتسمُ لي. فأخذتُ قراراً كنتُ سأندم عليه لاحقاً: صممتُ على أن أنجبَ منه طفلاً لإجباره على الزواج بي. كان هذا الحل الوحيد بنظري. ودون أن يعلم توقفتُ عن أخذ حبوب منع الحمل وبعد فترة قصيرة علمتُ أنني حامل. خطّتي سارت كما أردتُ ولم يتبقى لي سوى إخباره. وعندما علِمَ بالأمر جنّ جنونه حتى أنّه للحظة كاد أن يصفعني.
- هل أنتِ غبيّة لهذه الدرجة؟ هل تعتقدين أنني سأتزوّجكِ إن كنتِ حامل؟ لم أغشّكِ يوماً بالنسبة لعلاقتنا فمنذ اللحظة الأولى قلتُ لكِ أن لا مكان لكِ في حياتي وقبلتِ بالوضع. لماذا التخطيط والمكر؟ ولماذا إنجاب طفل وإقحامه بأوهامِكِ؟ لو كنتُ قليل الأخلاق لطردُتكِ من هنا على الفور. ليس لديكِ سوى حلّ واحد: الإجهاض. فلن أعترف بهذا الولد الذي لم أرده. لديّ أولادي ولو أردتُ المزيد لأنجبتهم من زوجتي.
بكيتُ كثيراً عندما سمعتُ هذا وبالرغم من حزني العميق وحيرتي لم يحاول مواساتي حتى. بقيَ ينظر إليّ وكأنني غريبة. ثم قال قبل أن يخرج:
- لا تنسي ما قلتُهُ لكِ... الإجهاض!
كان بإمكاني أن أتخلّص من الطفل ولكن بالنسبة لي كان ثمرة حبّنا وكان هذا كل ما تبقّى لي منه لأن بعد حديثنا لم يأتي إلى الشقة سوى مرّة واحدة ليرى إن كنتُ قد نفذّتُ ما طلبه مني وعندما رأى بطني الكبير رحل من جديد.
وأنجبتُ صبيّاً أسميته غدي تأمّلاً بمستقبل أفضل ولكنّهُ كان ولداً غير شرعيّاً ورغم محاولاتي العديدة عبر الهاتف لإقناع زياد بأن يعترف به بقيَ من دون أب.
ترك لي زياد الشقّة وفي الأشهر الأولى وبعثَ لي مع الناطور بعض المال. ثم إختفى كليّاً وغيّر رقم هاتفه الجوال وعندما ذهبتُ إلى عمله لأتكلّم معه مُنعتُ من الدخول من قِبَل الأمن.
الحل الأخير كان اللجوء إلى زوجته فإعتقدتُ أنها إذا علِمَت بوجود الولد ستترك زياد ويرجع إليّ ولكنني كنتُ مخطئة. فعندما دقّيتُ بابها وأخبرتُها كل القصّة ضحكَت وقالت لي:
- يا مسكينة... أعلم بكل شيء... بسبب حاجاته الجنسيّة الكبيرة وصلنا أنا وزياد إلى تفاهم وذلك منذ سنين طويلة: يعاشر من يريد بشرط أن يعود إليّ في المساء فرغم كل شيء أنا هي من يحبّ. أمّا انتِ فلستِ ألأولى ولا الأخيرة. إذهبي الآن من هنا ولا تعودي أبداً!
وهكذا وجدتُ نفسي وحيدة مع إبني أبحثُ عن طريقة لكسب لقمة عيشنا. وجدتُ عملاً في محل ألبسة أجني منه بالكاد ما يكفينا. غدي أصبح في عمر الذهاب إلى المدرسة وأخشى أن يضايقه أحد بسبب عدم شرعيته. وعندما يسألني عن أبيه أقول له أنّه مسافر ولا بدّ له أن يرجع إلينا يوماً ما. أعلم أنّ ما حصل لي ولإبني غلطتي وأنني المسؤولة الوحيدة فمنذ البداية كان عليّ أن أستوعب أن زياد لم يكن لي وأنه يمضي فقط وقتاً ممتعاً معي. عنادي وتصميمي على الحصول عليه رغماً عنه أفسد حياتي. كم أنا نادمة اليوم!
حاورتها بولاجهشان