أخي الوحيد...

ماتَ والِدايَ ووجدتُ نفسي وحدي في بيت كبير. لَم أكن ابنة وحيدة، لكنّ مروان أخي سافَرَ وعائلته إلى أوروبا وانشغَلَ عنّي. لَم أزعَل منه، إذ كانت لدَيه مسؤوليّات كبيرة حيث هو، فنسِيَ أمري واعتَدتُ على الأمر على مرّ الوقت. ورِثنا البيت قانونيًّا وتابَعتُ العَيش حيث أنا، فكان مِن الواضِح أنّ مروان يعلَم أنّ لا مكان آخَر أذهب إليه. لَم آخذ منه أيّ مال، فعمَلي كان يكفيني، أو بالأحرى يكفي لدفِع الفواتير العديدة كلّ شهر. وبالباقي كنتُ أشتري ما يلزمُني لتحضير طعامي. لِحسن حظّي أنّني لم أكن بحاجة إلى شراء الملابس والأحذية في كلّ حين، أو الخروج مع صديقاتي إلى المقاهي والمطاعم، وإلّا كنتُ سأضطرّ إلى البحث عن عمَل ثانٍ أو طلَب العون مِن مروان، الأمر الذي وجدتُ صعوبة فيه.

علاقتي بأخي الوحيد كانت مُمتازة قَبل مجيء زوجته إلى حياته. فهو ابتعَدَ عنّي وعن أبوَينا شيئًا فشيئًا، إلى حين هي أقنعَته بوجوب السفَر لتأمين مُستقبل أفضل لأولادهما الثلاثة. تركَني مروان مع أب وأم مريضَين، وهرَبَ بعيدًا عن المسؤوليّة. ومرّة أو مرّتَين في السنة، كان يأتي لزيارتنا في البلَد ويرحَل، كالغريب. وهكذا اعتدتُ العَيش مِن دونه لدرجة أنّني كنتُ أنسى أنّ لي أخًا.

مرَّت السنوات واتّصَلَ بي مروان على غير عادته، فهو كان بالكاد يُكلِّمني ما عدا في الأعياد، بل يُرسلُ لي سطرًا يُعبِّر فيه عن أمنياته الحارّة في تلك المُناسبات. أجبتُه بسرعة، ظنًّا منّي أنّ مكروهًا حصَلَ له أو لأحَد أفراد عائلته، لكنّه قالَ لي بِنبرة مليئة بالحماس:

ـ ندى، أخت زوجتي، ذاهبة إلى البلَد... هل تتذكّرينها؟ هي نفسها التي فقدَت زوجها منذ سنوات... فلقد زارَتنا هنا ومكثَت معنا لفترة. على فكرة، لماذا لا تزورينا أنتِ الأخرى؟

 

ـ لأنّكَ لَم تدعُني أبدًا.

 

ـ وهل أنتِ بحاجة إلى دعوة؟

 

ـ أجل.

 

ـ على كل الأحوال، أتّصلُ بكِ لأطلبَ منكِ استقبال ندى في البيت لفترة قصيرة، فهي باعَت مسكنها وتبحثُ عن آخَر.

 

ـ لستُ أدري يا أخي، فأنا بالكاد رأيتُها مرّة أو اثنتَين.

 

ـ ستُحبّينها كثيرًا! فهي مرِحة ومُفعمة بالحياة، مثلكِ!

 

ـ مثلي؟ وهل تتذكّرُني كفاية لتستطيع مُقارنة الناس بي؟

 

ـ كفى عتابًا يا أختي... ما رأيكِ؟

 

ـ كَم مِن الوقت ستمكثُ ندى في البيت معي؟

 

ـ أسبوعًا أو اثنَين بالأكثر!

 

ـ حسنًا، لكن ليس أكثر مِن ذلك، فأنا مُتمسِّكة بخصوصيّاتي كثيرًا.

 

وصلَت أخت زوجة مروان واستقبلتُها بالترحاب، وأعطَيتُها غرفة لتضَع فيها أمتعتها التي كانت بالفعل قليلة، إذ أنّها جلبَت فقط حقيبة سفَر صغيرة وحقيبة يدها. هدأ بالي لدى رؤية أمتعتها، فخابَرتُ أخي بأنّ كلّ شيء على ما يُرام.

في الأيّام التي تلَت، تبادَلتُ الاتّصالات يوميًّا مع أخي، وفرِحتُ لذلك إذ أنّنا عُدنا إلى ما كنّا عليه مِن قرب ووفاق. لكنّ زوجته لَم تُكلّمني ولو مرّة على الأقلّ، لِتشكرني على استقبال أختها. وجدتُ الأمر مُريبًا، لكنّني كنتُ أعي أنّها لا تُحبُّني، بل ادّعَت ذلك في فترة خطوبتها، إذ أنّها كانت تُردِّد لي ولأهلي كَم أنّها مسرورة للانضمام لعائلة كعائلتنا، وكَم أنّها تُحبّنا. بعد الزواج، بدأَت تبتعِد عنّا وتُبعِد مروان شيئًا فشيئًا.

رفقة ندى كانت مُسليّة، فهي بالفعل انسانة مرِحة ونشيطة، وقد ساعدَتني في البيت مِن تنظيف وطهو. كانت تخرجُ صباحًا للبحث عن مسكن ولزيارة الأقارِب والأصدقاء بينما أذهب إلى عمَلي. لكنّ الشهر مرَّ وبدأ الشهر الثاني، فسألتُ مروان هاتفيًّا كَم مِن الوقت قَبل رحيل ندى. إستاءَ منّي أخي وعاتبَني قائلًا: "المرأة هي أرملة ولا بيت لها... ألا تستطيعين الانتظار قليلًا؟ لَم أعهدكِ هكذا، يا أختي!". سكتُّ كَي لا أبدوَ بلا قلب أو رحمة، لكن حين بلَغَ وجودها الشهرَين الكاملَين، قرّرتُ وضع حدّ لِما يجري. فذات يوم، إنتظرتُ عودة ندى بفارغ الصبر لأتكلّم معها جدّيًّا عن موعد رحيلها، لكنّها خابَرتني لتُعلِمَني أنّها لن تبيتَ في البيت في تلك الليلة، بل عند إحدى صديقاتها. ولا أدري لماذا، لكنّني قرّرتُ دخول "غرفتها" مِن باب الفضول بما أنّها لن تعودَ قَبل الصباح. وما رأيتُه فاجأني كثيرًا!

فقد كانت الخِزانة الموجودة في الغرفة مليئة بالملابس والأحذية، وكذلك الأدراج وكلّ مكان يمكن تخزين أغراض شخصيّة فيه! كيف ومتى جاءَت ندى بكلّ تلك الأمتعة؟؟؟ حتمًا أثناء تواجدي في العمَل وعلى دفعات صغيرة كَي لا أنتبِه لشيء. ومِمّا رأيتُه، أدركتُ أنّ ندى لَم تكن تنوي الرحيل قَبل وقت طويل، بل وكأنّها ستعيشُ في بيتي بصورة دائمة!

أخذتُ الهاتف بسرعة وأطلَعتُ مروان على ما اكتشفتُه، مُضيفةً أنّني أُريدُ رحيل ندى قَبل نهاية الأسبوع! عندها قالَ لي مروان بكلّ هدوء:

ـ لن ترحل ندى ... فهي في بيتها.

 

ـ ماذا؟!؟

 

ـ أجل... فلقد بعتُ حصّتي في البيت لزوجتي التي باعَتها بدورها لأختها.

 

ـ أنتَ تمزَح!!! قُل لي إنّكَ تمزَح!

 

ـ أبدًا، فهذا مِن حقّي، فأنا أملكُ نصف العقار وأستطيع أن أفعلَ به ما أشاء!

 

ـ لكن أن تُدخِل امرأة غريبة إلى بيت أهلنا وإلى حياتي؟؟؟

 

ـ وما الضرَر في ذلك؟ البيت كبير عليكِ وأنتِ وحدكِ فيه، إحمِدي ربّكِ أنّنا لَم نبِعه لرجُل!

 

ـ إنّه بيت أهلنا، المكان الذي وُلِدنا وتربَّينا فيه! المكان الذي صنَعنا فيه ذكرياتنا!

 

ـ إنّه مُجرّد بيت.

 

ـ ليس بالنسبة لي! وماذا عن خصوصيّتي؟!؟

 

ـ لا تهمُّني خصوصيّتكِ، فعلتُ ما رأيتُه صوابًا وحسب.

 

ـ لماذا لَم تبِع حصّتكَ لي؟!؟

 

ـ كما قلتُ لكِ، البيت كبير عليكِ، فقسم منه كافٍ لكِ.

 

ـ هكذا تُقرِّر عنّي ما هو كافٍ وغير كافٍ؟ ولماذا تلك المسرحيّة بشأن مكوث ندى لفترة قصيرة؟!؟

 

ـ لتهيئتكِ، فلو قلتُ لكِ إنّها أصبحَت تملك نصف العقار، لَجنِنتِ.

 

ـ إذًا تعترِف أنّ الخبَر يُجنِّن!

 

ـ لا... بل أعرفُكِ جيّدًا... مِن الصعب عليكِ تمالكِ أعصابكِ.

 

ـ ماذا؟؟؟ مِن أين جئتَ بهذه الفكرة عنّي؟ مِن زوجتكِ؟

 

ـ ضَعي زوجتي جانبًا مِن فضلكِ ولا تتكلّمي عنها على الإطلاق!

 

ـ صحيح... نسيتُ أنّها استحوذَت على عقلكَ! حسنًا... سأتصرّف.

 

ـ ليس بإمكانكِ فعل أيّ شيء في ما يخصّ ندى! فهي مالِكة مثلكِ تمامًا!

 

شعرتُ بمرارة لا توصَف بعد أن اكتشفتُ أنّ أخي الوحيد خانَني بشكل لا يوصَف، ودمَّرَ كلّ ما يتعلّق بماضينا كإخوة، ضارِبًا عرض الحائط برابط الدم، والذكريات والبيت، وبما قد يرغَب والِدانا أن نفعل بما ترَكاه لنا بعد مماتهما. فأنا مُتأكِّدة مِن أنّهما ظنّا أنّ أخي العزيز سيهتمّ بي ويرعاني ويُحافظ على مصالحي. وكَم كانا مُخطئين!

ركضتُ أستشير مُحامي الشركة التي أعمَل فيها، وهو نصحَني بتقسيم العقار بيني وبين ندى، أيّ أن يحصل كلانا على غرفة حمّام. وجدتُ الأمر مستحيلًا مِن الناحية التطبيقيّة، على كلّ الأحوال لَم أكن أنوي الاستمرار بالعَيش معها. ثمّ أضافَ المحامي أنّ هناك طريقة قانونيّة تُرغم أصحاب العقار بِبَيعه وتقاسم ثمنه، لكنّ المسألة طويلة ومُعقّدة، ولَم أكن أريدُ بيع بيت أهلي كامِلًا لِندى.

وفي اليوم نفسه، مرّرَتُ بالبيت وأخذتُ بعض الأمتعة ورحتُ أقضي بضعة أيّام لدى أقارِب لي، فكيف لي أن أتواجَد وجهًا لوجه مع مَن "سرَقت" مُلكي؟ بكيتُ كثيرًا وواساني هؤلاء الأقارِب بعد أن ذُهِلوا ممّا فعلَه أخي، لكنّ جدَّهم قالَ لي بعد أن استمَعَ إليّ بتمعّن:

ـ يا صغيرتي... أجل، فلا تزالين صغيرة مُقارنة بي وبالحياة التي تنتظرُكِ... أفهَم وجَعكِ تمامًا، فلقد خانَكِ أقرَب الناس إليكِ، ولن يكون آخِرهم، فستواجهين أيضًا مواقِف مؤلِمة خلال مسيرتكِ، وستخسرين أناسًا وأملاكًا غالية عليكِ. لكنّ المُهمّ هو ألّا تخسرَي نفسكِ... إسمعي ما سأقولُه لكِ... ذكرياتُكِ ليست في ذلك البيت، بل في ذاكرتكِ أنتِ... وبإمكانكِ حملها معكِ أينما ذهبتِ، فهي ليست محفورة على جدران أو أثاث أو صوَر... خُذي تلك الذكريات وأسكِنيها مكانًا آمِنًا وجميلًا تختارينَه ليكون ملجأكِ الآمِن. بيعي حصّتكِ لأيٍّ كان، وجِدي مسكنًا آخَر بعيدًا عن الحزن والغضب والمُناكفات. أتركي تلك الأمور البشِعة لأخيكِ وزوجته، فقلبُهما لا يعرفُ الرحمة والحبّ.

 

نظرتُ إلى العجوز بامتنان، فبكلماته تلك، النابِعة من خبرة وحكمة سنوات طويلة، هو أعطاني الحَلّ الأنسَب لِتوازني العقليّ والنفسيّ، وبرهَنَ لي كَم أنّنا نتعلّق بالناس والأماكن وكأنّهم يُحدِّدون هويّتنا.

بِعتُ حصّتي لعائلة مؤلّفة مِن ستّة أشخاص عن قصد، لأنّني كنتُ واثِقة مِن أنّ ندى لن تستطيع العَيش معهم، وكنتُ مُحِقّة. فسرعان ما باعَتهم حصّتها ورحلَت. كانت تلك مُحاولتي الأخيرة لِوضع حَدّ لمُمارسات أخي وزوجته وبعد ذلك، بدأَتُ صفحة جديدة مِن حياتي في شقّتي الجميلة التي اشترَيتُها، وحيث وضعتُ صوَر والِدَيّ وكلّ ما يتعلّق بهما، لأنّهما يُمثِّلان مَن أنا بالفعل. لَم أضَع أيّ صورة لأخي، فعلى ما يبدو ليس لي أخٌ.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button