حُرِمتُ مِن الانجاب بسبب حالة مرَضيّة، فتقبّلتُ وضعي وفكرة عدَم سماع أحَد يُناديني "ماما". عشتُ حياتي تقريبًا وحيدة، فأيّ رجُل سيقبَل بي إن لَم يكن هو أيضًا يُعاني مِن العقم؟ وكلّنا نعلَم أنّ الرجال لا يُفصحون عادةً عن تلك المُشكلة، بل يوقعِون بالفتيات ويتزوّجونهنّ، لتعرفَن لاحقًا أنّ عدَم إنجابهنّ سببه الزوج.
كانت حياتي هادئة قَبل أن أتعرّف على زياد، إذ أنّني رتّبتُ أيّامي بين العمَل والأهل والأصدقاء، فملأتُ أيّامي بشكل لَم أعُد أشعرُ فعلًا بالوحدة. لكنّ أحَد الأصدقاء المُشتركين عرّفَنا على بعضنا، وقَبل أن أُطلِعَ زياد على مُشكلتي قال لي: "لا عليكِ، أعرفُ كلّ شيء عنكِ... أنا لا أُريدُ أولادًا، فلدَيّ ولَد وهو بحاجة إلى أمّ بعد أن ماتَت زوجتي منذ سنتَين. ما رأيكِ؟". لَم أُصدِّق أذنَيّ، فكان الأمر وكأن الله قد كافأني أخيرًا على صبري وقناعتي، وأهداني ولَدًا جاهِزًا ورجُلًا لا يُبالي بحالتي! كَم أنتَ كريم يا رب!
تعرّفتُ على داني الصغير الذي كان عمره آنذاك أربع سنوات، وذرَفتُ الدموع حين هو عانقَني وقالَ لي: "أنتِ جميلة للغاية!"، بصوت بريء ومليء بالحنان والدّهشة. تواعَدتُ وزياد وجرَت الأمور بطريقة سلِسة، وبعد ستّة أشهر على لقائنا الأوّل، صِرتُ زوجة... وأمًّا!
كان بإمكان قصّتي أن تنتهي هنا وأعيشُ حياةً هنيئة كما في قصص الأطفال، لكنّ الواقِع لا يُكتَب في تلك القصص. وأريدُ هنا أن أقولَ إنّ حياتي قَبل الزواج، أي حين كنتُ مِن دون رجُل وأواجِه عقمي بمرارة، كانت بالفعل أفضل. فنحن لا نعرف كَم أنّ حياتنا جميلة إلّا حين نفقدها، وعلينا أن نسعَد بحالتنا مهما كانت، حتّى لو بدَت بشِعة بالنسبة لنا.
فالله لَم يُنعَم عليّ بزوج عظيم، لأنّه لَم يُرسلِه لي. فالخيار كان خياري ولو لَم أكن مهووسة بعدَم قدرتي على الانجاب، ولولا فرحتي بإيجاد ولَد جاهِز بانتظاري، كنتُ انتبَهتُ للعلامات الحمر التي كانت تُحيطُ بي بالنسبة لزياد.
فكان زياد رجُلًا مُتسلِّطًا في حين ظننتُه يخافُ عليّ وينتبِه لكلّ شيء مُتعلِّقًا بي. فقَبل زواجنا، مثلًا، هو سألَني إن كنتُ أودّ مُتابعة عمَلي، فأجبتُه بأنّ كوني امرأة عامِلة لن يؤثِّر على زواجنا أو اهتمامي بالولَد إذ أنّه كان سيدخل المدرسة. رأيتُ علامات انزعاج على وجهه وقال: "أنا أريدُكِ أن تعيشي كالملِكة، فلدَيّ المال الوفير ولا حاجة لكِ أن تعمَلي". سُعِدتُ لسماع ذلك، لكنّني شرَحتُ له إن عمَلي يُعطيني فرَحًا كبيرًا ويُبقيني على صِلة مع زملائي، وهم أناس اعتدتُ عليهم وتشارَكتُ معهم الكثير. عادَ زياد يتكلّمَ عن أمر العمَل بعد الزواج، لكن بلهجة صارِمة، إلّا أنّني لَم أرضَخ له، فأين تكمُن المُشكلة؟ فهو في عمَله طوال النهار وداني في المدرسة. هل يجب أن أبقى لوحدي في ذلك البيت الكبير؟ إضافة إلى ذلك، لَم أهمُل بيتي أو عائلتي الجديدة يومًا!
الجميع رأى أنّ الحقّ معي بالتمسّك بوظيفتي، لِذا سكَتَ زياد ولَم يعُد يُثير الموضوع على الاطلاق.
مثلٌ آخَر عن تسلّط زياد، وهو أنّه كان يُريدُ معرِفة كلّ شيء عنّي في كلّ دقيقة: أين أنا، مع مَن، ماذا أفعل... لكن مِن ناحية أخرى، لَم يكن يُعطني أيّ تفصيل عن نفسه ويرفضُ الإجابة، قائلًا إنّ ليس عليه أن يقول شيئًا لي لأنّه الرجُل. فخلال سفراته العديدة، لَم أكن حتّى أعلَم في أيّ بلَد هو وماذا يفعَل، وبالكاد كان يُعطيني تاريخ عودته. إنزعجتُ كثيرًا لكنّني مع الوقت، اعتَدتُ على ذلك النمَط ولَم أعُد أسأل.
علاقتي بداني كانت مُمتازة، وهو أعطاني بالفعل ما كنتُ أنتظره مِن ولَد، وسرعان ما نسيتُ أنّه ليس منّي وأنّني لستُ أمّه. كان هناك رابِط قويّ بيننا أعجَبَ زياد للغاية، إذ أنّه ارتاحَ مِن جهة خوفه مِن أن يفتقِد ابنه لوجود صورة للأم فيؤثِّر ذلك على صحّته النفسيّة. لكنّني لَم أكن سعيدة، ولولا وجود داني، لفكّرتُ بالرحيل، إذ أنّ زياد لَم يكن حنونًا، بل كانت هناك دائمًا مسافة بيننا. حاولتُ اجتياز تلك المسافة، لكنّ زوجي لَم يدعَني أفعَل، فهو بقيَ بعيدًا عنّي ولم يُدخلني عالَمه الخاصّ.
تابعَتُ حياتي على ذلك النحو، صابةً اهتمامي على داني وعمَلي... إلى حين وصلَني خبَر مِن الشركة أنّهم استَغنوا عن خدماتي! وعذرهم كان أنّهم بصدَد التقليص مِن المصاريف لأنّهم يمرّون بفترة مادّيّة حرِجة. لكن حين سألتُ زميلتي المسؤولة عن قسم المُحاسبة، أكَّدَت لي أنّ أحوال الشركة المادّيّة مُمتازة واستغربَت أن أكون قد طُردِتُ. عندها إقتحمَتُ مكتب المُدير وسألتُه عاليًا عن سبب طردي الحقيقيّ. إرتبَكَ الرجُل وأجابَ: "لدى زوجكِ معارِف قويّة ولا يجِب إغضابه... ففضّلتُ الانصياع لرغبته وطردكِ". عدتُ إلى البيت بحالة غضب لا توصَف، وانتظرتُ بفارغ الصبر عودة زياد. وعندما واجهتُه، كلّ ما قالَه لي كان: "طلبتُ منكِ تَرك عمَلكِ، فرفضتِ. لا أحَد يرفضُ لي طلَبًا، فأنا أحصلُ دائمًا على مرادي، كما رأيتِ".
عندها علِمتُ أنّني لن أستطيع مواصلة زواجي مع زياد. لكن ماذا عن داني، فما ذنبه؟ هل يستحِقّ أن يخسَر أُمَّين، الواحِدة للموت والثانية للطلاق؟ هدأتُ قليلًا وفكّرتُ بطريقة تُمكِّنُني بالعَيش مع زوجي، مِن دون أن يؤثِّر ذلك على كياني ونفسيّتي، وكان الحلّ أن أعتبِر نفسي أعمَل لدى زياد في البيت وبتربية ابنه، وأن أضَع مشاعري وتوقّعاتي جانبًا. لكن في قرارة نفسي، كنتُ بالفعل أودّ ترك ذلك الرجُل البغيض والرحيل بعيدًا. وحده داني كان يهمُّني، وكنتُ أُدرك أنّني لن أكون قادِرة على أخذه معي إن طلّقتُ أباه، لأنّه ليس ابني.
مكَثتُ في البيت على مضض وشعرتُ بملَل عميق، الأمر الذي أفادَني في آخِر المطاف. فحين نشعر بالملّل، تأتي إلى بالنا أمور لَم ننتبِه إليها أو نسَيناها، ويتسنّى لنا القيام بأمور عديدة... جدًّا مُفيدة!
فأوّل شيء خطَرَ ببالي أنّ لزوجي عشيقة، وإلّا لِما كلّ تلك الأسرار وبُعده عنّي عاطفيًّا ومعنويًّا؟ والطريقة الوحيدة للتأكّد مِن ذلك كانت مُراقبته ومُراقبة هاتفه. صارَت لي فرَص عديدة للتفتيش في أوراق زياد الخاصّة أثناء تواجده في الحمّام وحين كنّا نستقبل ضيوفًا. عثرتُ على باسبوره ولاحظتُ أنّه يذهب بطريقة مُنتظِمة إلى بلَد مُعيَّن، بلَد لَم يذكره أمامي على الاطلاق، ما أثارَ اندهاشي.
ثمّ جاءَ دور الهاتف... أي حامِل أسرار الجميع! كان الأمر أكثر تعقيدًا، لأنّ زياد كان قد وضَعَ رمزًا سريًّا له. فتطلّبَ الأمر وقتًا طويلًا لجمَع كلّ الأرقام التي شاهدتُه يضَعها أثناء وجودي. وبعد جهد جهيد، إستطَعتُ اقتحام الهاتف حين كان زوجي يستحمّ. لَم يكن لدَيّ مُتسَّع من الوقت، فعمِلتُ بسرعة فائقة. وما رأيتُه كان فظيعًا: كلّ الرسائل والاتّصلات التي لا علاقة لها بالعمَل كانت موجّهة لِ... رجُل! وحديثهما كان يدورُ حول أمور حميمة جدًّا وحول داني، فذلك العشيق أرادَ أن يؤسِّس مع زياد عائلة في البلَد الذي يعيشُ فيه، وتلك العائلة كانت تتضمَّن طبعًا ابن زياد! لكنّ ذلك الأخير بقيَ يقولُ له: "إصبُر... دَع تلك البلهاء تهتمّ به وهو صغير، فتلك المرحلة هي الصعبة. وحين يكبُر، سآخذه معي إليكَ ونعيش سعيدَين نحن الثلاثة إلى الأبد!". أخذتُ صورًا عن تلك المحادثات بواسطة هاتفي، أقفلتُ هاتف زوجي بسرعة ووضعتُه مكانه، وركضتُ إلى المطبخ لأبكي على نفسي ومصيري مع رجُل مثليّ.
في اليوم التالي، قصدتُ محاميًّا وقصَّيتُ له كلّ ما أعرِفه. هو أكَّدَ لي أنّني أستطيع طلَبَ الطلاق والحصول على تعويض ونفقة. لكن كلّ ما أردتُه هو داني. لذلك، رحتُ إلى بيت صديقة لي مُصطحبةً داني معي، ومِن هناك بعثتُ رسالة إلى زوجي مفادها أنّني علِمتُ بشأن "عشيقه" وأريدُ التحدّث. وافاني زياد إلى المطعم حيث كانت صديقتي جالِسة إلى الطاولة المُجاورة بصحبة داني، وهذا ما إقترحتُه على زياد:
ـ ستُعيدُني إلى عمَلي على الفور، فأنتَ مَن ساهَمَ بطردي... وستُعطيني الطلاق لكنّ داني سيبقى معي إلى أجَل غير مُسمّى.
ـ ولماذا أفعَلُ ذلك؟!؟
ـ لأنّني سأفضحُكَ إن لَم تفعَل، أنظُر إلى صوَر هاتفكَ. أنتَ رجُل أعمال معروف وستنتهي إن علِمَ الناس الحقيقة.
ـ لن أدعكِ تأخذين ابني!
ـ ألا يكفيه أنّه فقَدَ أمّه وقد يفقدُني؟ الولَد يتيم الأم! حرام عليكَ! وتُريدُ أن يُربيّه رجُل مثليّ؟؟؟ أو بالأحرى رجُلان؟؟؟
ـ داني ليس يتيم الأم.
ـ ماذا؟؟؟
ـ أمّه على قَيد الحياة، لكنّها علِمَت بأمر "ميولي"، فطلّقتُها وأعطَيتُها مالًا لتذهب بعيدًا وتنسى ابنها. هي الآن مُتزوّجة ولدَيها أولاد جدُد.
ـ أنتَ بالفعل شرّير! كيف تفعل ذلك بابنكَ؟!؟
ـ لن أعطيكِ داني!
ـ إسمَع... أنا لستُ كأمّه ولن أتخلّى عنه مهما كلّفَ الأمر. أعدُكَ بتدميركَ بشتّى الطرق، ولستُ أمزَح!
ـ أعيدي لي إبني، فأخذكِ له بمثابة خطفه وقد تواجهين السجن.
عندها وقفتُ في وسط المطعم وقلتُ عاليًا: "هذا الرجُل مثليّ ويريدُ أخذ ابنه إلى الخارج ليُربّيه مع عشيقه! إسمه...". أسكَتني زياد على الفور صارِخًا أنّني مجنونة. نظرتُ إليه قائلة: "سأُخبِرُ العالَم بأسره عنكَ... سأفتَحَ حسابات على جميع مواقِع التواصل، وأذكرُ اسمكَ وعنوانكَ ورقم هاتفكَ وأنشرُ أحاديثكَ القذِرة مع عشيقكَ. سأُنهيكَ!".
سكَتَ زياد مُطوّلًا وقالَ:
ـ حسنًا... سأُعطيكِ ما تُريدين.
ـ أُريدُ عمَلي ونفقة بعد الطلاق وإقرارًا رسميًّا بأنّني سأُربّي داني وأنّكَ لن تراه إلّا بحضوري وفي أماكن عامّة!
حصَلَ ما طلبتُه بالفعل، ففي بلداننا تهمة المثليّة خطِرة وتُدمِّر الانسان اجتماعيًّا ومهنيًّا.
علِمتُ بعد فترة أنّ "العشيق" ترَكَ زياد لأنّ ما كان يُريدُ هو ولَد، فلَم يعُد هناك مِن حاجة ليُسافِر زياد. إرتاحَ بالي، لأنّني خفتُ أن يأخذ داني منّي بعيدًا إن هو ذهَبَ إلى ذلك الرجُل.
أنا اليوم أمّ لأجمَل ولَد في العالم وهو يُناديني "ماما"! وبين الحين والآخَر، يرى زياد ولَدَه لكنّه لَم يُطالِب به أبدًا، ربّما لأنّه فهِمَ أخيرًا أنّ داني أهمّ مِن تلك العلاقات.
حاورتها بولا جهشان