من الطائرة العسكرية إلى عالم الموضة: تاريخ سترة الـBomber Jacket

لم تعد سترة الـBomber Jacket مجرد قطعة عملية صُمّمت لحماية الطيارين من البرد على ارتفاعات شاهقة، بل تحوّلت إلى واحدة من أبرز القطع الأساسية في خزانة الرجل. فمن جذورها العسكرية إلى حضورها المتكرر على منصات الأزياء، استطاعت هذه السترة أن تتجاوز وظيفتها الأصلية، محافظةً على هويتها المميّزة رغم تغيّر الخامات والقصّات والأساليب عبر العقود. تعود قصة هذه السترة إلى بدايات القرن العشرين، وتحديداً إلى الحرب العالمية الأولى، حين كان الطيارون يحتاجون إلى ملابس تحميهم من درجات الحرارة المنخفضة داخل الطائرات المفتوحة، التي لم تكن مزوّدة بأنظمة تدفئة أو مقصورات مضغوطة. لذلك، ظهرت الحاجة إلى سترات جلدية سميكة توفّر الدفء والحماية أثناء الطيران، لتكون النواة الأولى لما نعرفه اليوم باسم سترة الـBomber Jacket.

 

من الزي العسكري إلى التصميم الأيقوني

خلال السنوات التالية، بدأت سترات الطيران تتطوّر لتواكب احتياجات الطيارين. وفي عام 1931، اعتمد سلاح الجو الأميركي سترة A-2، التي شكّلت محطة مهمة في تاريخ هذا التصميم. تميّزت هذه النسخة بجلدها المتين، وسحّابها الأمامي بدلاً من الأزرار، وياقتها الجلدية، إلى جانب الأساور والحزام المحاكين من الصوف، ما منحها مظهراً عملياً أصبح لاحقاً من أبرز سمات السترة الكلاسيكية. وخلال الحرب العالمية الثانية، اكتسبت سترة A-2 شهرة واسعة بعدما ارتداها الطيارون الأميركيون في مختلف جبهات القتال. ولم تكن مجرد جزء من الزي العسكري، بل تحوّلت إلى مساحة تعبّر عن هوية أصحابها، إذ اعتاد بعض الطيارين إضافة رسومات وأسماء طائراتهم وشارات أسرابهم إليها. وهكذا، اكتسبت السترة طابعاً شخصياً يميّزها عن غيرها من قطع الملابس العسكرية.

 

ظهور سترة MA-1 وتحوّلها إلى قطعة عصرية

مع تطوّر الطائرات وارتفاع مستويات الطيران، لم تعد السترات الجلدية الثقيلة الخيار الأكثر ملاءمة للطيارين. وفي أربعينيات القرن الماضي، ظهرت تصاميم جديدة مثل B-15، التي أدخلت خامات أخف وزناً، ومهّدت الطريق أمام واحدة من أشهر نسخ السترة على الإطلاق: MA-1.

ظهرت هذه النسخة في أواخر الأربعينيات، واعتمدها الجيش الأميركي خلال خمسينيات القرن الماضي. وقد تميّزت باستخدام النايلون بدلاً من الجلد، ما جعلها أخف وزناً وأكثر مقاومة للعوامل الجوية. كما اشتهرت ببطانتها البرتقالية الزاهية، التي لم تكن مجرد تفصيل جمالي، بل صُمّمت لتسهيل العثور على الطيارين في حال سقوط طائراتهم، إذ كان بإمكانهم قلب السترة لتصبح البطانة البرتقالية ظاهرة من الخارج.

أما تصميمها، فحافظ على العناصر التي أصبحت مرتبطة بصورة الـBomber Jacket، وأبرزها الياقة والأساور والحزام المحاك، والسحّاب الأمامي، إلى جانب الجيب الصغير على الكم. ومع مرور الوقت، أصبحت درجات الأخضر الزيتوني والكحلي من أبرز ألوانها الكلاسيكية.

 

من الفائض العسكري إلى ثقافة الشارع

لم يقتصر انتشار سترة الـBomber Jacket على المجال العسكري، بل بدأت رحلتها نحو عالم الموضة مع انتقال قطع الزي العسكري إلى الأسواق المدنية، خصوصاً عبر متاجر الملابس العسكرية الفائضة. وخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تبنّتها مجموعات شبابية وثقافات فرعية مختلفة، من بينها الـMods والـPunks، لتتحوّل تدريجياً إلى رمز يرتبط بالتمرد والاستقلالية والأسلوب غير التقليدي.

وفي العقود التالية، رسّخت السترة حضورها في ثقافة الشارع، خصوصاً مع صعود موسيقى الهيب هوب خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث أصبحت جزءاً من الإطلالات التي جمعت بين الطابع الرياضي والروح الحضرية. كما ساهم ظهورها في السينما والتلفزيون في تعزيز مكانتها، لتنتقل من قطعة مرتبطة بالطيارين والجنود إلى عنصر أساسي في خزانة أجيال مختلفة.

 

كيف وصلت إلى منصات الأزياء؟

مع تزايد حضور الملابس المستوحاة من الأزياء العسكرية في عالم الموضة، بدأت دور الأزياء والمصممون بإعادة تقديم سترة الـBomber Jacket بأساليب جديدة. ولم تعد محصورة بالنايلون أو الجلد أو الألوان العسكرية التقليدية، بل ظهرت بتصاميم واسعة، وأقمشة فاخرة، وتفاصيل مبتكرة، وصولاً إلى نسخ مزخرفة ومطرّزة وأخرى ذات قصّات مبالغ فيها. وشكّلت عروض الأزياء مساحة لإعادة تفسير هذه القطعة، إذ تعامل معها المصممون كقاعدة قابلة للتجديد، تجمع بين البنية العملية والحرية الإبداعية. وقد ظهرت في مجموعات أسماء بارزة في عالم الأزياء، من بينها Raf Simons وHelmut Lang وRick Owens، الذين قدّموا رؤى مختلفة لهذا التصميم، من الطابع المستوحى من ثقافة الشارع إلى الأسلوب المعاصر الأكثر تجريباً.

 

المزيد
back to top button