يكفي أنني أتذكرها

يكفي أنني أتذكرها

وأضاعَت أمّي خاتمها المفضّل، وبالرّغم مِن أنّها لم تقل ذلك بوضوح، شعَرَتُ أنّها تقصد العاملة حين قالَت: "أنا لا أضيّع شيئًا ولستُ خرِفة بعد". لِذا انتظَرتُ موعد مجيء تلك المرأة لأسألها بحزم عن الخاتم على أمل أن تعترف بجرمها وتعيده لنا. ولكنّ المسكينة بدأَت بالبكاء وأقسَمت بالله أنّها بريئة. لا أدري لماذا ولكنّني صدّقتُها واعتذَرتُ لها بحرارة، وأخَذتُ على عاتقي التفتيش عن الخاتم المذكور في بيت أمّي. ووجدتُه أخيرًا في مكان غريب عجيب: في الثلاجة داخل كيس لحفظ الأطعمة. لم أقل لوالدتي أين كان كي لا أحزنها على نفسها، بل قلتُ إنّه كان واقعًا بين وسادات كنبة الصالون. ومِن بعد تلك الحادثة أصبح شغلي الشاغل مراقبة تصرّفات والدتي لأخذها عند طبيب مختصّ، فمِن الواضح أنّها كانت قد بدأَت تنسى أمورًا بغاية الأهميّة.

وحين بدأ مزاج والدتي بالتغيّر، عَرَضتُ عليها أن نزور أخصّائيًّا ولكنّ ردّة فعلها كانت عنيفة جدًّا، وبدأَت المسكينة بالصّراخ تارة والبكاء تارة أخرى:

 

ـ تقول إنّني مجنونة؟!؟ تريد التخلّص منّي يا إبني!؟َ! ماذا فعلتُ لكَ لأستحقّ ذلك؟ لا أتدخّل بشؤونكَ الخاصّة ولا أطلب منكَ شيئًا! هل هذا ما أجنيه مِن السّنين التي قضيتُها أربّيكَ وأهتمّ بسعادتكَ؟


وأمامَ ذلك الكلام، لم أستطع الاجابة واكتفَيتُ بتقبيلها وطلَب السماح منها. نرمين لم تكن مِن رأيي، أي أنّها نصحَتني بأخذ أمّي بالقوّة إلى الطبيب لا بل إلى مشفى الأمراض العقليّة، واستغرَبتُ كثيرًا كلامها وخاصّة ملامحها التي تغيّرَت فجأة وأصبحَت قاسية، وكأنّها تريد الانتقام مِن والدتي على شيء لم تفعله. لماذا كلّ ذلك الحقد؟ لم يكن لدَيَّ جواب.

مرَّت الأشهر ومِن ثمّ السنة، ولم تعد والدتي تعرف تمامًا أين هي أو تميّز الوقت. عندها أخَذتُ لها موعدًا مع الطبيب الذي جاء ليراها وقلتُ لها إنّه صديق لي يودّ التعرّف إليها. وبدأ الرجل يُحدّثها ويطرح بعض الأسئلة عليها، وحين رأيتُ النظرات التي كان يُوجّهها لي علِمتُ أنّ حالتها صعبة. وقبل أن يُغادر، إختلَيتُ بالطبيب الذي قال لي إنّه يشكّ بأنّ أمّي مصابة بداء ألزهايمر ولكنّه بحاجة إلى اجراء فحوصات دم وصوَر للتأكّد مِن شكوكه. كنتُ أعلم أنّ والدتي لن توافق على ذلك، فسألتُه إن كان باستطاعته إعطاؤها أقراصًا، ولكنّه رفَضَ بشكل قاطع، لأنّ ذلك قد يكون مضرًّا جدًّا لها إن كانت تعاني مِن شيء آخر.

عندما رَحَلَ الطبيب وجلَستُ مع أمّي قالت لي:

 

ـ ألَم يكن ذلك عُمَر إبن فريدة جارتنا؟

 

إمتلأت عَيناي بالدّموع، لأنّ عُمَر كان في العاشرة مِن عمره، ولذلك قرَّرتُ أن أكلّمها عن حالتها عندما تكون بمزاج يسمح لي بذلك وعُدتُ حزينًا إلى البيت، ولكنّ نرمين لم تكن مسرورة ممّا حَصَلَ مع الطبيب:

 

ـ أقول لكَ خُذها بالقوّة إلى المشفى!

 

ـ لن أجرّ أمّي رغمًا عنها إلى مكان لا تريد التواجد فيه! لن أعاملها هكذا أبدًا!

 

ـ وما الذي تنوي فعله إذًا؟

 

ـ سأبقى أراقبها... يا ليتَها تأتي للعيش معنا!

 

ـ تريد جلب مجنونة إلى بيتي؟!؟

 

ـ أوّلا’ هذا ليس بيتكِ، حبيبتي، بل بيتنا... ثانيًا أمّي ليست مجنونة بل إنّها تعاني مِن فقدان الذاكرة بشكل متقطّع، وحتى لو كانت مصابة بداء ألزهايمر فهذا لا يعني أنّها مجنونة، أمّي أذكى إنسانة على وجه الدنيا!

 

ـ لا يهمّني كيف تُشخّص حالتها... المهم أنّني لا أريدها بالقرب منّي أو مِن أولادي!

 

ـ أولادنا!

 

قد يهمّكِ أيضاً