وُلِد إبني شريراً

وُلِد إبني شريراً

وهي كانت على حقّ، فمنذ صغري وأنا أصنعُ شراشف وفوطًا للطاولات مِن الكروشيه، إلا أنّني اعتربتُ الأمر هواية بحتة. وهكذا بدأتُ أجني المال الذي ساعدَنا على تفادي الجوع والفقر. لكنّ العمل للناس يختلفُ عن التسلية، فالزبائن كانت تنتظرُ موعد تسليم مُحدّد لا أستطيع التهاون به.

عمِلتُ بكدّ ليلاً نهارًا لأبعث بسامي إلى المدرسة. لكن منذ أيّامه الأولى في الدّراسة، بدَت على إبني علامات الأذيّة على رفاقه. فهو كان يأخذُ ما يشاءُ مِن شنطهم، وصارَ لاحقًا يُمارسُ التهويل على الضعفاء منهم. وصلَتني شكاوى عديدة مِن إدارة المدرسة، وحاولتُ إفهام سامي أنّ ما يفعلُه خطأ، إلا أنّه زادَ شرًّا وشراسة إلى أن طُرِدَ مِن المؤسّسة.

رحتُ أفتشُ لإبني على مدرسة أخرى، واضطرِرتُ أن أغيّر له أربع مدارس إلى أن نصحَني أحد المدراء بإحالة إبني إلى معهد تقنيّ لأنّ إبني، حسب قوله، لَم يكن يُحبُّ الناحية النظريّة للعلم بل يُفضّل الناحية التطبيقيّة. وطمأنَني الرّجل إلى أنّ إبني سيتغيّر حين يكبُر قليلًا، وأنّ هذه المرحلة هي عابرة ويمرُّ بها بعض الصبيان. لكنّ ذلك المدير لَم يكن يعي عمق اسوداد نفس سامي، ولا أنا.

أوّل صفعة تلقَّيتُها مِن سامي كانت حين طَلَبَ منّي بعض المال. وعندما أجبتُه أنّني لَم أقبض بعد ثمَن ذلك الشرشف الذي صنعتُه، رفعَ يدَه عليّ وصفَعَني. لَم أنتظر أبدًا أن يحصل ذلك. ولكثرة اندهاشي، لَم أفعل شيئًا حيال ذلك، وهو ظنّ أنّني خفتُ منه. وعندما حصلتُ على المال، أعطَيتُه ما يُريدُه ليس لأنّني أنفّذُ له رغباته، بل لأنّني لطالما شعرتُ أنّ إبني لا ولن يحصل على ما يُريدُه في هذه الحياة، على الأقل ليس مِن خلالي.

كان يجدرُ بي ردّ الصفعة له ومُعاقبته وتهديده، حتى يحاولُ التفكير بإعادة الكرّة.

ومنذ ذلك اليوم، أصبَحَ العنف طريقة إبني للحصول على ما يُريدُه منّي، بعدما كان قد جرَّبَ هذه الوسيلة مع رفاقه في المدرسة ورأى مدى نجاحها.

صارَت طلبات سامي تزيدُ مع الوقت، فراتبه الضئيل عند الميكانيكيّ الذي وظّفه خلال النهار، لَم يكن كافيًا لتغطية مصاريفه.

فإبني كان قد تعرَّفَ إلى شلّة مراهقين كانوا يقضون ليلهم في الشارع والحانات. لَم أكن على علم بذلك طبعًا، وخلتُه يعمل ساعات إضافيّة على أمل أن يُساعدني ويخفّف عنّي الحِمل الثقيل الذي بدأ يُؤثّر على نظري ويدَيَّ. إلا أنّ همّ سامي الأكبر كان صرف المال، والكثير منه، على ملذّاته.

تَرَكَ سامي المنزل عندما كان في السادسة عشرة مِن عمره، وظننتُه ميّتًا حين غابَ لأيّام مُتتالية. ركضتُ إلى قسم الشرطة وهم بحثوا عنه في كلّ مكان. إلا أنّ سامي ظهَرَ أخيرًا ليُطالبني بالمال، وبالقوّة، ليختفي مُجدّدًا. بكيتُ كثيرًا، ليس مِن الألم الذي خلّفَته ضرباته لي، بل مِن الخَيبة بعد أن انتظرتُ مِنه أن يحميني ويُريحني.

وصارَ سامي يأتي إلى البيت فقط لطلَب المال. وفي إحدى المرّات سَرَقَني عندما كنتُ عند زبونة لي. وعند عودتي، كان قد أخَذَ القطعتَين الوحيدتَين مِن الذهب اللتَين أملُكُهما واللتَين وضعتُهما جانبًا لبَيعهما حين أُجبَر على التوقّف عن العمل. وكان سامي يعرفُ ذلك، لكنّه لَم يتردّد عن تجريدي مِن كلّ شيء.

 

قد يهمّكِ أيضاً