وجهي تشوّه، فدُمرت حياتي

وجهي تشوّه، فدُمرت حياتي

كنت خبيرة التجميل المفضّلة لدى الزبونات وكنت غالية على قلب وسيم، مالك مركز التجميل. ولكنّ القدر شاء أن يبدّل مسار حياتي.  

مرّت ثماني سنوات على عملي في ذاك المركز حيث اشتهرت ببراعتي بفضل طبيعتي الاجتماعية ومظهري العصري ومعرفتي للمهنة. بما أنّ والدي كان قد توفي وأنا في سن المراهقة، وجب عليّ أن أترك دراستي لأجد مهنة تؤمن لي احتياجاتي بسرعة. وقد جذبني عالم الجمال فمارست عملي بشغف وحماسة. كان كل شيء يسير نحو الأفضل باستثناء حياتي العاطفية التي عزمت على وضعها جانباً لتخصيص وقتي لعملي. في عمر 35 عاماً، كنت ما أزال أعيش وحيدة مع والدتي.

ثمّ، في صباح أحد الأيام، انتظرتني زبوناتي بلا جدوى. لم أذهب إلى العمل يومها ولا في الأسابيع المقبلة أيضاً. فقد تغيّر مسار حياتي كلياً حين اصطدمت شاحنة بسيارتي وأنا في طريقي إلى المركز. دخلت في غيبوبة وتعرّضت لكسور جمّة، وأصيب وجهي بجروح بالغة بسبب الزجاج: هذه كانت نتائج الحادثة المؤلمة. ولفظاعة طبيعة جروحي، كان الطب التجميلي عاجزاً عن إعادة وجهي إلى حالته السابقة.

لقد صرت مشوّهة إلى الأبد! ساعدني الطبيب النفسي الذي أرشدوني إليه على ألاّ أقع في حالة إحباط مظلمة ولكنّه لم يساعدني على استرجاع جمالي.

ما عدت أخرج من المنزل ورحت أمضي وقتي مستعينةً بمهاراتي التجميلية لأخفي قباحتي. ثم، جاء اليوم الذي عدت فيه إلى عملي. هناك في المركز، كانت نظرات وسيم وزميلاتي تعبّر عن آرائهم أفضل من الكلام. في ما يتعلق بزبوناتي لم تتمكّن أيّ واحدة منهنّ من النظر إليّ وسرعان ما صار الوضع مزعجاً. بالتأكيد كان الجميع لطفاء معي في ذاك اليوم ولكن في آخر النهار أفهمني وسيم أنّه ما عاد لي مكان بينهم. 

قُضي على مهنتي فكيف عساي أعيش وأعتني بوالدتي المحتاجة إلى علاج طبّي مكلف؟ من سيقبل بتوظيف وحش في ظل مجتمع الصورة والجمال؟ انقضت الأشهر وذابت مدّخراتي كالثلج، وبعدما تصفّحت كل إعلانات التوظيف، وقعت على شركة تطلب عاملات في مجال التسويق عن بعد. وهذا ما كان يلزمني بالتحديد! في اليوم التالي، توجّهت إلى العنوان المذكور في الجريدة وبعد تأثير المفاجأة الذي تركه وجهي، اقترحوا عليّ اختباراً صوتياً. كان صوتي مقبولاً على الهاتف فقد كنت معتادة على التوجّه إلى الزبونات. وأخيراً نجح ارتياحي وثقافتي العامة في إقناع الشركة! كان العمل يدور حول بيع موسوعات، وصحيح أنّ الأجر لم يكن عالياً كما في المركز ولكنّه على الأقل يسمح لي بتسديد فواتيري ودفع أدوية أمي.

لم يمضِ وقت طويل حتى صار الزبائن يقدّرونني وخاصة رجل أُعجب بضميري المهني وبنبرة صوتي، إلى أن طلب رؤيتي في أحد الأيام. رفضت قطعاً، وحين أصرّ أخبرته عن سبب رفضي فأكّد لي أنّ الجمال الخارجي لا يعنيه وليس له البتة أيّ أهمية عنده. لم يتخيّل المسكين فظاعة قباحتي... تشبّثت برأيي وبالرغم من ذلك بقينا على تواصل.

في هذا الوقت، راحت الأمور تسوء في مركز التجميل. فمنذ رحيلي رحلت الزبونات الواحدة تلو الأخرى. لم تعجبهنّ الخبيرة الجديدة وأخذنَ يطالبنَ بعودتي. في النهاية، اتصل بي وسيم وتوسّل إليّ لأعود. ماذا عساي أجيبه؟ لقد أحببت عملي وشعرت فيه بالأمان بعيداً عن الأنظار ولكنّ التجميل مهنتي الحقيقية وأنا أشتاق إليها.  اقترحت عليه أن آتي يومين في الأسبوع كبداية ولم أتخيّل أبداً الاستقبال الذي كان بانتظاري. كانت كلّ زبوناتي هناك لتقبيلي وملاطفتي وتوسّلي للحصول على موعد. بالرغم من قباحتي ما زال عالم الجمال يطالب بي!

بفضل ذلك، استوحيت فكرة التخصّص في إخفاء الندوب، ورحت أستمتع بابتكار الطرق المختلفة لإخفاء العيوب. وسرعان ما اشتهرت باسم "الجرّاحة التي لا تستعين بالجراحة". بعد مرور بعض الوقت، فتحت مركزي الخاص في وسط المدينة وراحت تتدفّق عليّ الزبونات من كل مكان ومن البلدان المجاورة حتى لاقيت نجاحاً باهراً!

بعدئذٍ، وافقت على مقابلة فؤاد الذي كان يحدّثني عبر الهاتف ففي أسوأ الأحوال كان سيهرب مني وهكذا تنتهي قصتنا! أعطيته موعداً في مركزي عند ساعة الغداء، وما إن دخل من الباب حتى نظر في عينيّ قائلاً:

- لست كما تخيّلتك... بل أنت في الواقع أجمل بكثير!

ابتسمت له وبدا لي أنّ الحياة قرّرت أن تعيد لي ما سلبته مني. وبفضل حب زبوناتي وحب فؤاد، أحسّ الآن أنّني لم أكن يوماً أكثر جمالاً!                                                          

حاورتها بولا جهشان 

قد يهمّكِ أيضاً