هل كانت شكوك أمي حقيقية؟

هل كانت شكوك أمي حقيقية؟

يوم طلَبَ حسام يدي، كان يعلم أنّ شرطي الوحيد وهو أن نسكن عند أمّي. فتركها لوحدها لم يكن أمرًا مقبولاً لدَيّ، خاصّة أنّها كانت قد بدأت تنسى أمورًا عديدة في الأواني الأخيرة. أخذتُها إلى الطبيب الذي قال لي بعد أن أجرى لها الفحوصات اللازمة إنّها لا تشكو مِن أي خطَب، ورجَّحَ أنّ فكرة ذهابي بعيدًا عنها أربكَتها نفسيًّا. فالجدير بالذكر أنّني ابنة وحيدة، وأنّ أبي تركَ البيت منذ سنوات لا تُحصى ليبدأ حياة جديدة مع امرأة أخرى.

ربَّتني والدتي لوحدها، وتعبَت كثيرًا لتؤمّن لي كلّ ما يلزم، فأقل ما يُمكنني فعله هو الاهتمام بها بعدما بلغَت سنًّا متقدّمًا. قَبِلَ خطيبي أن ينتقل إلى بيتنا، فالعيش مع حماة كأمّي لم يكن صعبًا لأنّها كانت مرحة المزاج ومُحبّة. في الواقع، كانت والدتي مُحبّة إلى درجة مبالَغ بها، وكأنّ خوفها عليّ نابع مِن خوفها مِن أن يسلب منها القدر آخر إنسان تحبّه، الأمر الذي تقبّلتُه بالرغم مِن انزعاجي منه في غالب الأحيان.

في جميع الأحوال، لم يكن حسام يرى أمّي كثيرًا، بسبب انشغاله طوال اليوم في الشركة التي أسّسها والتي كانت تطلّب منه اهتمامًا دائمًا. أمّا أنا، فكنتُ مِن جهّتي أقضي وقتي في عملي بالمصرف، لِذا لم نكن نجتمع إلا في المساء حول مائدة الطعام فيروي كلّ منّا للآخرين ما حَدَث معه في النهار، ومِن ثمَ تدخل والدتي غرفتها لتنام. حسدَني الجميع على عَيشي الهنيء بعد أن استطعتُ أن أجمع بين حياتي العائليّة والعاطفيّة، وكنتُ فخورة بنفسي كثيرًا. إلا أنّ هذا الهناء كلّه لم يكن مقدَّرًا له أن يدوم طويلاً.

فقد نقلَت أمّي خوفها مِن الهجر إليّ بعدما عانَت، كما ذكرتُ أعلاه، مِن خيانة زوجها وهروبه مع عشيقته الأكثر جمالاً وشبابًا. فبدأت تسألني عن سبب تأخّر زوجي بعمله، وتقول إنّ عليَّ الانتباه مِن وجود عشيقة ما. ولولا أنّني لم أكن أعلم بما مرَّت به المسكينة ومدى تعلّقها بي، لغضبتُ منها كثيرًا، فلم يكن مِن المقبول أن تزرع الشك في عقلي هكذا. لِذا أخذتُ أطمئنُها بأنّني أبقي عينًا ساهرة على حسام وأنّني لن أدَعه يؤذيني. وفي اليوم نفسه، أخبرتُ زوجي عن مخاوف أمّي كي يتفهّم الوضع في حال وجَّهَت إليه أيّ اتهام، ووعدَني بأن يتحمّل كل ما قد يصدر منها. ثمّ أصبحتُ أتقبّل تلميحات أمّي الدائمة ونسيانها المتكرّر للأحاديث والأحداث، ودعَوتُ الله أن يُريح قلبها وبالها.

 

قد يهمّكِ أيضاً