هكذا التقَينا

هكذا التقَينا

وبما أنّني وجدتُ نفسي مع ولدَين صغيرَين ومِن دون معيل، وجبَ طبعًا عليّ إيجاد عمل وإلا متنا جوعًا. فالجدير بالذكر أنّ أهلي تخلّوا عنّي لأنّني، وحسب قولهم، كنتُ السّبب بترك زوجي لي، وأنّه كان ليبقى معي لو عرفتُ كيف أحسن معاملته. فعند هؤلاء القَوم، يقع اللوم دائمًا على المرأة وليس على الرجل الذي، وبكلّ بساطة، قد يكون منحطًّا وفاسدًا كزوجي. وعليّ أن أشكرُه لأنّه خانَني وتركَني وأجبرَني على إيجاد لقمة العيش، وإلا لَما تعرّفتُ إلى فَيصل وتغيّرَت حياتي بأسرها.

وجدتُ أخيرًا عملاً في إحدى مستشفيات المنطقة، أنظّفُ الغرف والأروقة وأساعد المرضى على دخول الحمّام. كان مقرّ عمَلي بعيدًا عن مسكني وكانت الطريق شاقّة، لذا كنتُ أتركُ ولدَيَّ عند جارتنا، وأقضي الليل في المشفى بضع مرّات في الأسبوع.

بعد سنوات على دخولي مُعترَك العمل في المشفى، صرتُ أعرفُ أشياءً كثيرة عن عالم الطب. صحيح أنّني كنتُ أهتمّ بالتنظيف، لكنّني شاهدتُ الأطبّاء والممرّضات وهم يُسعفون ويُعالجون المرضى والجرحى، وهذا بالذات الذي ساهَمَ، وبشكل مباشَر، على باقي الأحداث.

فذات صباح، وبعد أن أنهَيتُ عملي الليليّ في المشفى، إستقلَّيتُ سيّارة أجرة لأعود إلى بيتي وولدَيَّ. كنتُ تعبة جدًّا وكان الطقس ممطرًا والطريق منزلقًا، فطلَبتُ مِن السائق توخّي الحذر أثناء القيادة. لكنّ سيّارة مُسرِعة جاءَت تصطدم بنا بقوّة فائقة.

بعدما استوعَبتُ ما حدَثَ لنا وتأكّدتُ مِن أنّ سائق الأجرة بخير، ركضتُ إلى السيّارة الأخرى لأجد فيها رجلاً شبه مُغمىً عليه وولدَين بحالة حرِجة. كانت يد الأوّل مكسورة فثبّتُها، أمّا الولَد الثاني فكان ينزف بقوّة لذا حزَمتُ مكان النزيف للحدّ مِن تدفّق الدماء الذي كان سيُؤدّي حتمًا إلى موته. أمّا سائق الأجرة فاهتمّ بالأب، وأخَذنا الجرحى الثلاثة بسرعة إلى المشفى.

الرجل كان طبعًا فَيصل، وكان بصحبة ولدَيه بنزهة غرضها تعريفهما إلى قرى ومناطق بلدهم الأصليّ.

كانت إصابَة فَيصل بسيطة إذ كان يضع حزام الأمان، لكنّ ولدَيه كانا بحالة حرجة أكثر، ولولا تدخّلي، لكان واحد منهما على الأقل ميّتًا. وشعَرَ أبوهما بامتنان كبير لي، بالرغم مِن أنّني فعلتُ واجبي، مستعملةً ما رأيتُ الأطبّاء يفعلونه خلال ساعات عملي الطويلة.

حالة الولدَين إستوجَبَت مكوثهما طويلاً في المشفى بعد أن استحال نقل الولد النازف إلى العاصمة. لِذا، أخَذَ فَيصل غرفة في فندق مجاور للبقاء قرب الصبيّين. مِن جهّتي، كنتُ أمرّ بغرفة الجريحَين يوميًّا لأطمئنّ إليهما. وهناك صِرتُ أتبادَل الكلام مع فَيصل. عرفتُ قصّته وأخبرتُه قصّتي، ووجدنا أنّنا تزوّجنا رغمًا عنّا وانتهى بنا المطاف وحيدَين. لم أتصوّر للحظة واحدة أنّ رجلاً راقيًا ومتعلّمًا مثله قد يجد فيّ أيّ شيء يُعجبُه، فكنتُ كما ذكرتُ سابقًا، إنسانة بسيطة وعاديّة جدًّا. إلا أنّه باتَ متعلّقًا بي إلى درجة كبيرة، وصار ينتظر قدومي ويتمتّع بصحبتي. لا أخفي أنّني أُعجِبتُ بذلك الرّجل المميّز، لكنّني لم أجرؤ على تصوّر حدوث أيّ شيء بيننا.

أبدى فَيصل رغبته بالتعرّف إلى ولدَيّ ورؤية مسكني، وشعرتُ بالخجل إذ لم أكن أريده أن يرى حالتي البائسة. لكنّه بقيَ مصرًّا، واستقبلتُه في بيتي المتواضع حيث جلَسَ مع ولدَيَّ وأكل مِن الأطباق التي حضّرتُها للعشاء. بعد أيّام قليلة، غادَرَ فَيصل مع ولدَيه المشفى وودّعوني جميعهم بحرارة. حَزِنَ قلبي كثيرًا، لكنّني أقنعتُ نفسي بأنّ الأمور هكذا أفضل وبأنّ عليّ العودة إلى حياتي ما قبل الحادث، فهذا كان قدري.

لكنّ ذلك لم يكن قدري أبدًا بل العكس. كانت الحياة تخبّئ لي مفاجآت كثيرة، أوّلها اتّصال هاتفيّ مِن فَيصل الذي أخَذَ رقمي مِن المشفى.

سرِرتُ به جدًّا واطمأنَّيتُ على صحّة ولدَيه، وعلِمتُ منه أنّه قادم بعد أيّام بصحبتهما لزيارتي وأولادي. ركضتُ كالمجنونة أحضّر ما يلزم، وبعدما هدأت قليلاً أخذتُ أقنِع نفسي أنّ لا معنى لتلك الزيارة سوى أنّهم يُريدون شكري على ما فعلتُه مِن أجلهم.

 

قد يهمّكِ أيضاً