هربتُ مِن زوجي ليلًا (الجزء 2)

هربتُ مِن زوجي ليلًا (الجزء 2)

وعندما عادَ جمال إلى الجبل في المساء، أخبرَني بالذي حصل، وأخذنا نفكّر جيّدًا بما علينا فعله كي لا يتمّ العثور عليّ.

 

ولكن لم يخطر ببالنا أنّ بسّام سيطلب الشرطة وسيُقاد حبيبي إلى التحقيق، الأمر الذي سيُسيء إلى سمعته ويُهدّد مركزه في الشركة.

كل ذلك حصل في اليوم التالي، ولكنّ جمال لم يقل لي شيئًا بل قرأته في الرسالة التي تركَها لي قبل أن يرحل، والتي وجَدتُها مع مبلغ مِن المال. كان جمال قد تركَني لوحدي في ذلك البيت المخيف ورحل... عاد إلى حياته بعدما وعَدَني بأنّه لن يتخلّى عنّي أبدًا.

 

كم بكيتُ؟ أكثر ممّا بكيتُ طوال حياتي، فالهجر والخذلان أصعب مِن الاهانات والضرب.

 

هل كان جمال جبانًا أم أنّه انجرَفَ بالرومانسيّة ونسيَ أنّه موظّف بسيط يحتاج إلى راتبه ليعيش؟ مهما كان السبب لم أستطع مسامحته، فهو الذي دفَعَني إلى الهروب ووعَدَني بأنّه سيكون على قدر هذه الخطوة الخطيرة. لكنّه لم يصمد أكثر مِن يومَين، وتراجَعَ عن مشروع حبّ كان مِن المفترض أن يدوم العمر كلّه. وأمام ضياعي، تمنَّيتُ لو بقيتُ في بيت زوجي المتوحّش مع أمّه الأفعى وزوجته الماكرة.

 

لم أخرج مِن البيت لمدّة أسبوع بكامله ولم أفتح شبّاكًا واحدًا. بقيتُ في الظلمة أبكي وأتحسّر وأفكّر بالذي أصابَني. لم أحاول الاتصال بأحد وخاصة جمال، مع أنّني وجَدتُ بقائمة الاتصالات أرقام المكتب والأصدقاء. صحيح أنّني ذقتُ الذلّ عند زوجي، ولكنّني لم أكن مِن اللواتي تتوسّلنَ لأحد. وهو لو أراد العودة لفعَلَ خلال ذلك الأسبوع. حتى اليوم أسأل نفسي كيف استطاع ذلك الرجل ترك امرأة لوحدها في بيت مهجور في أعلى الجبال، وهل لجبن الناس حدود؟

 

وبعد ذلك الأسبوع الأليم الذي قضَيتُه بالحزن والبكاء، أدرَكتُ أنّ قليل الماء والأكل كانا قد نفذا وكان عليّ إيجاد المزيد، هذا لو أرَدتُ البقاء حيّة.

ومع أنّني كنتُ قد فقدتُ الرغبة بالعيش، إلا أنّ شيئًا بداخلي دفعَني إلى المواصلة: حبّ البقاء. كبِرتُ يتيمة الأبوَين، وعشتُ سنين مع عجوز متعجرفة، وتزوّجتُ مِن طاغٍ وهربتُ مع جبان... كلّ ذلك لم يكسرني، فلِما أدَع الوضع الذي وصلتُ إليه يقضي عليَّ؟ لا! لن أستسلم!

 

خرَجتُ مِن المنزل في الصباح وأخذتُ أمشي بدون أن أعلم إلى أين أنا متجّهة. كنتُ قد أخَذتُ معي المال الذي تَرَكه لي جمال لأشتري بعض الحاجيات، وسرِرتُ عندما رأيتُ بلدة جميلة ودكّانة صغيرة تبيع الخضار والفواكه والمأكولات الأساسيّة. سألَني البائع مَن أكون فأجبتُه: "ضيفة جمال س." عندها قال لي:

 

ـ آه... ذلك الشاب المهذّب... كان يأتي إلى منزل جدّه في ما مضى... ولكنّ أبناء المدينة لا يُقدّرون ما يملكون... كم مِن الوقت ستمكثين هنا يا آنسة؟

 

ـ الوقت اللازم... أنا يتيمة واحترَقَ البيت الذي كنتُ أعيش فيه، فعرَضَ جمال عليّ المكوث في بيته... جمال هو صديق العائلة... هل مِن عمل هنا أقوم به مقابل أجرٍ؟

 

ـ البلدة صغيرة والأعمال قليلة... أنا آسف يا صغيرتي

 

عدتُ إلى البيت حزينة، بعدما أملتُ بإيجاد مورد رزق إلى حين أجد حلاً لوضعي مع زوجي.

ومرَّت الأيّام طويلة ومملّة، وأعترف أنّني كنتُ أتوقّع أن يرنّ الهاتف أو أن أسمع صوت سيّارة جمال، ولكنّ كان ذلك تمنّياً وليس أكثر.

كانت الليالي مخيفة، فكنتُ أوصد جميع الأبواب والشبابيك جيّدًا خاصّة بعد أن أصبح أهالي البلدة على علم بوجود صبيّة لوحدها في ذلك البيت القديم.

 

قد يهمّكِ أيضاً