هربتُ مع ابن الحدائقي (الجزء الثاني)

هربتُ مع ابن الحدائقي (الجزء الثاني)

ـ هذا المكان هو الوحيد الذي وجدتُه وإلا مُتنا جوعًا... إنّها مرحلة مؤقّتة وأرجو منكِ الصّبر حتى انتهاء العقد.

 

ـ تعني الإنتظار سنة بكاملها؟!؟ ومَن قال لكَ إنّني موافقة على بنود هذا العقد؟

 

ـ لأنّني أعرفُ أكثر منكِ ما يُناسبنا وما نحتاج إليه. أنا زوجكِ وأنا أقرّرُ عنكِ.

 

لم أستطع الردّ لكثرة اندهاشي مِن كلام خليل. هل يُعقل أن يكون ذلك الرجل هو نفسه الذي أحبَبتُه؟ عُدتُ إلى الغرفة للتفكير بما عليّ فعله، وكنتُ مصمّمة على ترك هذا المكان وبسرعة. ولكن إلى أين أذهبُ؟ لِذا قبلتُ، على مضض طبعًا، أن أصبح خادمةً في الفيلا.

يوم دخلتُ الفيلا، إكتشفتُ أنّ للسيّدة أمَل زوجًا وإبنةً وإبنًا يُناهز عمراهما عمري، لكنّني لَم أجد الرّحمة في قلب أيّ منهم. كانوا كلّهم كالسيّدة، لا بل أبشَع. فهم عامَلوني وكأنّني قذارة، والذي أدهشَني هو أنّ الخادمة تعالَت هي الأخرى عليّ. وكَم مِن مرّة أرَدتُ أن أصرخ فيهم أنّني إبنة أناس أثرياء للغاية، لكنّني فضّلتُ السّكوت لأنّ الشماتة ستكون أكبر بعد.

تعبتُ كثيرًا، لأنّني كنتُ أنظّفُ بشكل خاص الأماكن الأكثر وساخة، وشعرتُ بغبن كبير. فقد كنتُ إنسانة صالحة ومُحبّة ولا أستحقُّ ما يحصلُ لي. مِن جهّته، كان خليل لا يُبالي كثيرًا بما أتحمّلُه مِن إهانة وإرهاق، مع أنّني كنتُ أروي له يوميًّا ما أمرُّ به. كلّ ما كان يقولُه لي كان:

 

- حبيبتي، ماذا كنتِ تنتظرين أن يحصل حين تزوّجتِ مِن حدائقيّ لم يدخل يومًا مدرسة؟ هذه هي حياة مَن هم مثلنا.

 

أعترفُ بأنّني أحسستُ مرارًا بالندَم على زواجي، لكنّني كنتُ إنسانة عنيدة للغاية ولا أقبَل الهزيمة. وخفَّ تدريجًا حبّي لخليل بعدما رأيتُه يتجاهل عذابي. كنتُ أريدُ زوجًا مُساندًا يُدافعُ عنّي وعن كرامتي، وليس رجلاً ضعيفًا يُفضّلُ راحة باله على كلّ شيء.

ما كان يُزعجُني لأقصى درجة كان تصرّف إبن السيّدة أمَل معي. فهو كان يُلاحقُني مِن مكان لآخر، ويعرضُ عليّ أمورًا غير أخلاقيّة. حاولتُ تجنّبه قدر المُستطاع، إلا أنّه كان يعتبرُ أنّني ملكه ويحقّ له أن ينال منّي ساعة يشاء. إشتكَيتُه لخليل، لكنّه هزّ برأسه قائلاً:

 

- إنّكِ تتصوّرين أشياءً يا حبيبتي... فما حاجة السيّد الصغير لإنسانة مثلكِ وهو يستطيع الحصول على أفضل الفتيات.

 

ماذا؟!؟ إنسانة مثلي؟!؟ أفضل الفتيات؟!؟ أهذه كانت نظرة زوجي لي؟ مِن الواضح أنّه نسيَ، وبسرعة، مَن أكون! كان الذنب ذنبي طبعًا، فما كان يجب عليّ تصوّر أنّ الناس كلّهم مثلي، وما كان عليّ تصديق تلك القصص السخيفة التي ملأت رأسي وأنا صغيرة.

مرَّت الأشهر ببطء رهيب، وكنتُ أعدّ الأيّام بانتظار انتهاء العقد، على أمَل أن أرحل وخليل مِن ذلك المكان الفاسد وأن نستعيد حبّنا الذي دفعَني إلى ترك كلّ شيء مِن أجله. إلا أنّ زوجي كان ينوي البقاء حيث نحن. فقد علِمتُ بالأمر بفضل مكالمة كان يُجريها مع أبيه، وسمعتُه يقول مِن خلالها له إنّه مُرتاح جدًّا بعمله ولا يُفكّر بالتفتيش عن عمل آخر. عندها صرختُ به أن يُقفل الخط، ويشرح لي كيف له أن يُبقيني خادمة مذلولة عند هؤلاء الناس. لَم يُجِبني بل فضّل الخروج إلى الحديقة. وفي تلك اللحظة بالذات، أدركتُ أنّني داخل دوامّة لا منفذ لها فبدأتُ بالبكاء كالطفلة.

لكنّ حدثًا غير متوقّع غيَّرَ مجرى الأمور وبشكل جذريّ.

فذات يوم وأنا في الفيلا أقومُ بالتنظيفات الإعتياديّة، طلبَت منّي السيّدة أمَل أن آتي لها بنظّاراتها مِن غرفتها. كانت بصدد قراءة مُستند مهمّ والخادمة الأخرى كانت مُنشغلة في القسم الآخر مِن الفيلا. كانت تلك أوّل مرّة يُسمح لي بدخول تلك الغرفة، ولولا أهميّة المُستند، لَما أذَنَت لي السيّدة بالمرور حتى قرب غرفتها.

 

دخلتُ الغرفة بشيء مِن الرهبة، فكنتُ سأرى أخيرًا أين تنام وتتبرّج تلك السيّدة القاسية والمُستبدّة. توجّهتُ مُباشرة نحو طاولة السرير، لأنّ السيّدة أمَل كانت قد قالَت لي: "عودي بسرعة ولا تلمسي شيئًا!". تناولتُ النظّارات، وحين كنتُ على وشك الخروج مِن الغرفة، رأيتُ صورة بين صوَر عديدة موضوعة على طاولة مُستديرة، وتجمّدَت الدّماء في عروقي. كانت السيّدة أمَل واقفة مع زوجها... ووالدَيَّ! أخذتُ الصورة معي وركضتُ أقفُ أمام السيّدة أمَل. ثمّ قلتُ وأنا أرتجف: "هذان والدايَ." ضحِكَت المرأة عاليًّا وأجابَت:

 

ـ أعرفُ ذلك... فنحن أصدقاء قدامى. وأعرفكِ جيّدًا، على الأقل عندما كنتِ صغيرة.

 

ـ ماذا؟َ!؟ كنتِ تعلمين مِن البداية مَن أكون؟ وعامَلتِني بهذه الطريقة السيّئة؟

 

قد يهمّكِ أيضاً