نَبع الحنان

نَبع الحنان

لكنّني لَم أحسب حساب الغرام. فبالرّغم مِن حبّ لينا القويّ لي، كان مِن المستحيل لها أن تلمس قلبي كما قد تفعلُ امرأة. ففي آخر المطاف، كنتُ رجلاً طبيعيًّا وأتوق حتمًا إلى لمسة وهمسة حبيبة.

تعرّفتُ إلى ليلى في السوبرماركت حين ساعدتُها على جمع محتوى سلتّها التي وقعَت منها. هي شكرَتني وانتهى الموضوع... إلى أن التقَينا مرّة أخرى في المكان نفسه وتبادلنا التّحيّات. ومِن ثمّ صرنا نقصد السوبرماركت لنرى بعضنا، إلى حين دعوتُها للخروج وهي قبِلَت.

مع ليلى كانت حياتي قد اكتملَت فعلاً، وركضتُ أزفّ الخبر السّار للينا، الا أنّها لَم تعرِه أهميّة قائلة: "كلّ النساء ساقطات"، وأكملَت ما كانت تفعلُه. كنتُ على وشك تذكيرها بأنّها امرأة هي الأخرى، إلا أنّني فضّلتُ السكوت كي لا أجرح شعورها. لكنّني كنتُ واثقًا مِن أنّها ستحبّ ليلى التي كانت إنسانة هادئة ومُسالمة.

تفاجأتُ كثيرًا عندما أخذتُ ليلى ولينا إلى العشاء، فكنتُ قد توقّعتُ أن تُبدي أختي استياءها مِن خلال تلميحات مؤذية لليلى، إلا أنّها كانت لطيفة للغاية معها. وأخذَت المرأتان بالتحدّث بمواضيع شتى، الأمر الذي أسعدَني كثيرًا وأراحَ قلبي.

في تلك الليلة، خلدَتُ إلى النوم والبسمة على وجهي وحلِمتُ أحلامًا لطيفة. لكن عندما أخبرتُ لينا أنّني سأعيشُ مع زوجتي معها في البيت، بدأَت أختي بالمُمانعة، وتوصّلَت إلى أن تقرّر الرحيل إن كنتُ حقًّا مُصرًّا. فهي كانت ترفضُ أن تصبح "خادمة" في البيت الذي كبرَت فيه. عندها قرَّرتُ تأجيل الموضوع إلى حين تكون أختي أكثر تعاونًا. للحقيقة، لَم أشأ الزواج وتركها لوحدها، كي لا أكون ناكرًا لجميلها. فمنذ سنوات طويلة، وعدتُ نفسي بأن أهتمّ بِلينا تمامًا كما هي اهتمَّت بي وألا أتخلّى عنها يومًا.

حبيبتي لَم تكن، هي الأخرى، مُتحمّسةً للعيش مع أختي. فبالرّغم مِن لطافة هذه الأخيرة معها خلال العشاء، شعَرَت ليلى بعدائيّة صادرة مِنها. لَم أحسم الأمر مع كلتَي المرأتَين، بل أخذتُ بعض الوقت لأصل إلى نتيجة... إيجابيّة.

إقترَبَ موعد الزفاف، ولَم أكن بعد قد وجدتُ طريقة مناسبة لحلّ مشكلتي، فتركَتُ الأمر يحلّ نفسه. وعندما تزوّجنا، إنتقلَنا للعَيش مع لينا التي لَم تُبدِ لا انزعاجًا ولا ترحيبًا بنا. إستبشرَتُ بالخير وتأمّلتُ أن تسير الأمور كما يجب.

إلا أنّ زوجتي بدأت تشتكي مِن أختي، فقد كانت المرأتان تبقيان مع بعضهما طوال النهار أثناء تواجدي في العمل، وكان مِن الواضح أنّ لينا قرَّرَت تنكيد حياة ليلى. في البدء لَم تُفاتحني زوجتي بالذي كان يحصل فعلاً، بل تكتفي بالقول: "لا أدري إن كنتُ سأقدر على التحمّل." كنتُ أهدّئ مِن غضبها واستيائها، واعدًا بأنّني سأكلّم أختي. لكنّني لَم أفعل، ربّما لأنّني لَم أرِد توبيخها، فكان لدَيّ احترام شديد لها.

لكن في أحد الأيّام، وصلتُ البيت لأجد زوجتي تبكي بمرارة في غرفتنا، ممسكة فستانًا مُقطّعًا بيدها. قالت لي إنّها وجدَته هكذا مرميًّا على سريرها، أي رسالة واضحة مِن أختي لها. غضبتُ كثيرًا لهذا التصرّف العدائيّ، وركضتُ إلى لينا لأطلب منها تفسيرًا. وكلّ ما استطعتُ فهمه منها كان: "إنّها كاذبة". في اليوم التالي، أخذتُ ليلى للتسوّق واشترَيتُ لها فستانًا جميلاً، الأمر الذي أعادَ لها بسمتها.

ومنذ ذلك الوقت، صِرتُ أحترسُ من أقوال وأفعال أختي، وانتابَني تعَب شديد. فلَم تكن هذه الحياة التي حمِلتُ بها، ووجدتُ صعوبة بتقبّل موقف أختي حيال زوجتي وزواجي.

وبعد أقلّ مِن أسبوعَين، تلقَيتُ اتّصالاً مِن ليلى وهي تصرخ:

 

ـ تعال إلى البيت بسرعة!

 

ـ ما الذي حصل؟ تكلّمي!

 

ـ كنتُ آخذ قيلولة كما اعتدتُ أن أفعل في فترة بعد الظهر، وحين استيقظتُ وجدت أنّها قصَّت خصلاً مِن شعري! أتسمعُني؟!؟ المجنونة قصّت مِن شعري وأنا نائمة! تعال الآن وإلا...

 

أسرَعتُ إلى البيت لأجد ليلى مُنهارة كليًّا وهي تبكي وفي يدها خصل مِن شعرها. هل يُعقل أن تكون قد وصلَت الأمور إلى ذلك الحدّ؟ دقَّيتُ باب غرفة أختي وسألتُها صارخًا إن كانت قد فقدَت عقلها، وكيف لها أن تفعل ذلك بامرأة مُسالمة. وهي أجابَتني: "إنّها كاذبة".

عدتُ إلى زوجتي لأواسيها وأعدُها بأنّ الأمور ستصطلح، لكنّها أصرَّت على أن أتّخذ موقفًا صارمًا مِن أختي.

 

قد يهمّكِ أيضاً