نوَيتُ شراء حبيبتي مِن زوجها (الجزء الأول)

نوَيتُ شراء حبيبتي مِن زوجها (الجزء الأول)

كنتُ قد صرتُ مِن أشهر صانعي الحلوى الغربيّة، بعد أن تخصَّصتُ في الخارج ونِلتُ شهادات عديدة علّقتُها بفخر على حائط محلّي. زبائني كانوا مِن شتّى الطبقات الإجتماعيّة إذ صمَّمتُ على إعطاء فرصة تذوّق إبتكاراتي لكلّ الناس وحسب إمكاناتهم. لكنّ مُعظمهم كانوا مِن الطبقة المُخمليّة، واتّكلوا عليّ لمُناسباتهم المُهمّة، كالأعياد والأفراح. كنتُ آنذاك عازبًا لكثرة إنشغالي بتكوين نفسي والإستمرار بنجاحي. وبالرّغم مِن أنّ أكثريّة زبائني كنّ مِن الجنس اللطيف، لَم تستقطِب اهتمامي أيًّا منهنّ... سوى واحدة. ولأنّني لَم أكن أعرفُ إسمها أسمَيتُها دلال لكثرة جمالها ورقّتها.

كانت تلك الصبيّة تأتي في كلّ مرّة مع والدتها لإختيار قطعتَين مِن الحلوى لا أكثر، ربّما لأنّ الإمكانات لَم تسمح بذلك. وعدتُ نفسي بأن أُخاطِر يومًا بالتحدّث مع "دلال" بأمور بعيدة عن الكريما والشوكولا، إلا أنّ زياراتها وأمّها كانت قليلة وبعيدة عن بعضها.

وفي أحد الأيّام، أطلَّت "دلال" إلى محلّي لكن ليس مع أمّها بل برفقة رجُل. رجوتُ أن يكون ذلك الشخص والدها أو خالها أو عمّها بسبب سنّه، لكنّ تصرّفاته معها كانت تدلّ على أنّه مُهتّم بها عاطفيًّا. حزِنتُ للغاية ولِمتُ نفسي كثيرًا، إذ أنّني كنتُ أكثر وسامة ورشاقة مِن ذلك الإنسان. هل كانت "دلال" أيضًا مُهتمّة به؟ ركّزتُ على ملامح الصبيّة وحركاتها، وتبيّنَ لي أنّها مسرورة برفيقها لا بَل تبعثُ له إشارات إيجابيّة. ماذا وجدَت فيه؟ ما كان ينقصُني عنه؟ هل لأنّني لَم أُفصِح لها عن نوايايَ؟

إشترى الرجُل ستّ قطع مِن الحلوى الفاخرة، وأخرجَ مِن جَيبه رزمة كبيرة مِن المال. إنزعجتُ مِن إبرازه هذا المبلغ، فكأنّه يُريدُ إثبات امكاناته المادّيّة لي أو لـِ "دلال". وخرَجَ الثنائيّ مشبوكَي اليدَين، وقرّرتُ أنا نسيان أمر حبٍّ لن يرى النور.

بعد حوالي الشهرَين، عادَت "دلال" مع الرّجُل نفسه، وأعلنا لي عن نيّتهما الزواج، وكان ذلك بالتحديد سبب مجيئهما إلى محلّي. فقد أرادَ العريس إختيار قوالب الحلوى للزفاف، فأرَيتُه الكتالوج الذي يحتوي على صوَر وأسعار كلّ إبتكاراتي. عندها قالَ العريس لرفيقته:

 

ـ حبيبتي، إختاري بنفسكِ ما تُريدين. لا تسألي طبعًا عن الكلفة.

 

ـ شكرًا حبيبي... كان بِودّي أن نضَع على كلّ طاولات المدعوّين قالبًا خاصًّا يُشبه القالب الكبير الذي سنقطعُه سويًّا.

 

ـ إفعلي يا حبيبتي... ولِما لا يكون قالبنا مؤلّفًا مِن سبعة طوابق؟

 

ثمّ استدارَ نحوي سائلاً إن كان ذلك مِن ضمن إمكاناتي فأجبتُه بالموافقة. بعد ذلك طلَبَ منّي أن أُعطيه تخمينًا للكلفة، فبدأتُ بالحسابات التي كانت باهظة. لكنّه قال لخطيبته: "حبيبتي... لا أُريدُ إحراجكِ أو إشغال بالكِ بأمور ماليّة... هل لكِ أن تنتظريني خارجًا ريثما أنتهي؟ لا، ليس بعيدًا بل خارجًا".

 

راحَت "دلال" تقفُ أمام واجهة المحلّ، مع أنّ المطر كان ينهَال بغزارة ولَم تكن تحملُ مظلّة. وفجأة، إقترَبَ منّي الرجُل وهمَسَ لي:

 

ـ إنسَ كلّ ما قُلناه... أقصدُ عن القوالب على طاولات المدعوّين أو قالبنا ذي الطوابق العديدة.

 

ـ لماذا يا سيّدي؟

 

ـ أريدُ قالبًا واحدًا فقط مؤلّفًا مِن طابق واحد... قالبًا عاديًّا للغاية مِن دون زينة أو مواد مُعقدّة.

 

قد يهمّكِ أيضاً