موتها دفعني الى الإلتزام

موتها  دفعني الى الإلتزام

 بعد سنوات طويلة عدنا والتقينا في أحد الأيام في محلّ للثياب حين وقعت أيدينا على الفستان نفسه في الوقت نفسه...   غمرتني وقبلتي بقوة، وبعدما زالت أولى لحظات المفاجأة عرفتها.

إنّها مريم صديقتي من أيام المدرسة. لقد تبدّلت كثيراً وصارت نحيلة وعيناها منتفختان وتبدو أكبر مني بكثير. ذهبنا للجلوس في مقهى ورحنا نتحدث عن حياتنا أيام المدرسة وعن صداقتنا الحميمة. حين وقعت ماري في غرام رجل وتزوّجته ما عدنا نتقابل وتابعت أنا دراساتي في الحقوق. استرجعنا معاً كل تلك السنوات السعيدة ورحنا نتساءل عن أصدقائنا ثم قررت فجأة أن تغادر.

- ما زال الوقت مبكراً! لنتناول العشاء معاً!

- لا يحب إبراهيم أن أتأخر ويجدر بي العودة إلى المنزل قبل حلول الليل.

- ولكنّها الخامسة من بعد الظهر ونحن ما عدنا فتيات يافعات!

- أعلم... ولكن عليّ العودة إلى البيت.

تبادلنا عناويننا وأرقام هواتفنا واتفقنا على التلاقي في أقرب وقت، ثم قالت لي قبل أن تغادر:

- هل تعرفين، أحسدك فأنت سعيدة وحرة وقد اتخذتِ الخيار الصحيح.

بعد مرور بضعة أيام، اتصلت بي مريم ولاحظت في صوتها نوعاً من القلق والتردّد. لكنّها أكّدت لي أنّها بخير وأنّها تريد أن تعرف أخباري فقط. وقبل أن تقفل الخط قالت:

- يفرحني أنّني التقيت بك مجدداً. إنّ تلك السنوات التي أمضيناها معاً كانت لحظات السعادة الوحيدة في حياتي... منذ ذاك الحين، تبدّلت ظروفي وصرت أشعر بأنّ حياتي معدومة.

في صباح اليوم التالي حاولت أن أتصل بها فكنت شديدة القلق عليها ولكن لم يرد أحد على الهاتف. عاودت الكرة عند المساء والنتيجة ذاتها. في اليوم التالي اشتد قلقي فتوجّهت إلى العنوان الذي أعطتني إياه. وصلت إلى الطبقة السادسة من مبنى فخم وفوجئت برؤية باب شقتها مفتوحاً على مصراعيه. دخلت وإذا بالصالون يعجّ بأشخاص يرتدون الأسود ويتحدثون بصوت منخفض. رحت أتكلم مع سيدة كانت تجلس هناك.

- مسكينة مريم فهي ما تزال شابة وأولادها صغار...

- ولكن ماذا حدث؟

- لقد انتحرت... لم يلحظ أحد تعاستها... كانت تتناول المهدّئات وقد ابتلعت العلبة كلها.

صعقني الخبر! أحسست أنّها حزينة ولكنّني لم أتخيّل أن يصل بها الأمر إلى حد الانتحار. كنت خارجة حين شدّتني سيدة من ذراعي وأخذتني إلى الشقة المقابلة.

- أنتِ سلمى أليس كذلك؟ أخبرتني مريم أنّكما التقيتما من جديد. لقد أخبرتني كل شيء فأنا أكثر من مجرد جارة لها. لقد كنت حافظة أسرارها.

- أنا مصدومة. لم تكن تبدو بهذه التعاسة بل وجدتها متعبة بعض الشيء.

- كانت مريم تعرف كيف تخبّئ حزنها ولم ترد أن يشفق الناس عليها.

ثم أكملت:

- إنّ زوجها رجل نذل أغرمت به من دون أن تعرفه على حقيقته. إنّ الشقة والسيارات، كله من مال الحرام. عرف الجميع بهذا الواقع إلاّ هي.

- لمَ لم تتركه؟

- حاولت ولكنّها حين حزمت أمتعتها ضربها بعنف فلم تعد تفكر بالأمر. راحت تشرب ولا سيما حين كان يصطحب معه "رفقة" إلى المنزل. كانت تقفل الباب على نفسها كي تتوقف عن سماع ضحكاتهم وأصواتهم. في غالب الأحيان، كانت ترسل أولادها إلى منزل جديهم لإبعادهم عن الأجواء. وهي كانت تأتي لتبكي عندي...

- ولكن كان بإمكانها أن تخبر أحداً عن مأساتها.

- كانت تخاف كثيراً لأنّه يضربها بعنف على كامل جسمها باستثناء وجهها فإنّ أمثاله يعرفون كيف يأخذون حذرهم.

- وأهلها؟

- لم تخبرهم عن شيء فمنذ البداية لم يوافقوا على هذا الزواج.

- فقط لو أنّني عرفت...

- لم يكن الأمر ليجدي نفعاً!

- أنا محامية كان بإمكاني مساعدتها فهناك قوانين تمنع العنف الزوجي. يا ليتها انتظرت قليلاً بعد...

حين وصلت إلى الباب لأخرج قالت لي:

- أنت محامية أليس كذلك؟ عندي قريبة تعاني من الوضع ذاته كالمسكينة مريم. هل يسعك فعل شيء من أجلها؟

قدّمت لها بطاقتي ووعدتها بأن أبذل ما بوسعي لمساعدتها. وإنّ ما عجزت عن تقديمه لمريم سأقدّمه لأخريات. هكذا بدأ التزامي الجديد تكريماً لصديقتي الحميمة.

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً