معجب مريض

معجب مريض

إستغربتُ الأمر كثيرًا فسألتُه عن أيّة رسائل هو يتكلّم، إلا أنّه جلَسَ مكانه وعادَ إلى صمته. لَم أفكّر في الأمر لاحقًا، فنبرة صوته وهو يسألُني عن الرسائل كانت عاديّة للغاية. ففسّرتُ الموضوع بأنّ ذلك الشاب خالَني فتاة أخرى.

مرّة أخرى، وجَّهَ جهاد الكلام إليّ: "أنا بِتصرّفكِ... أطلبي ما تشائين منّي". عندها أجَبتُه ظانّة أنّه يتكلّم عن حاجيّاتي مِن الدكّان: "شكرًا يا جهاد، سأختارُ ما أُريدُه بِنفسي".

دخلتُ الجامعة في تلك السنة وصارَ لي درس كثير، فلَم أعُد أذهَب إلى دكّان بِنفسي بل باتٓت والدتي تُرسِلُ أخي الصغير كلّما احتاجَت غرضًا. وجرّاء ذلك، لَم يعُد جهاد يراني على الإطلاق، الأمر الذي ضايقَه. وذات يوم، قرَّرَ جَلب حاجيّاتنا إلينا بِنفسه بِذريعة أنّ ما نُريدُه لَم يصِل المحلّ بعد. فعادَ أخي فارغ اليَدين وسمِعنا جرَس الباب يرنّ بعد حوالي الساعة. وإذ بِجهاد واقفًا عند الباب وبسمة عريضة على وجهه، يتلفَّتُ يمينًا ويسارًا ليرى كيف هو البيت الذي أعيشُ فيه. أدخلَته والدتي المطبخ حيثُ وضَعَ الأكياس وأنا عدتُ إلى غرفتي لأُكمِل درسي. في تلك الأثناء، إتّفَقت أمّي معه على أن تّتصِل به هاتفيًّا كلّما احتاجَت أمرًا مِن الدكّان ليَجلبه لها مُباشرة. لَم يرَ أيّ منّا مانعًا في ذلك، فمعظم المحلات لدَيها خدمة توصيل للمنازل. أخَذَ جهاد إكراميّة ورحَلَ سعيدًا، ليس بالمال بل بِدخول حياتي الخاصّة. لا ألومُ أمّي على تسهيل دخوله البيت، فلَم يكن لأحد أن يعرفَ مدى اضطراب ذلك الشاب. فالأمراض النفسيّة لا تظهرُ على صاحبها كباقي الأمراض، بل تبقى قابعة في ثنايا نفسه إلى حين تتفجَّر فجأة. ونخالُ أنّ هؤلاء الناس ليسوا موجودين سوى في الأفلام والرويات، لِذا لا نحسبُ حسابهم.

وسرعان ما صارَ جهاد يدقُّ بابنا كلّما احتاجَت والدتي لِغرَض ما لِطبختها، ولَم نعُد نُلاحظُ وجوده في البيت بل بِتنا نطلبُه بِدورنا عند كلّ صغيرة. ما لَم ننتبِه إليه، هو أنّ جهاد كان يسرقُ مِن بيتنا في كلّ مرّة غرَضًا صغيرًا لا قيمة فعليّة له، على الأقلّ بالنسبة لنا. أمّا في ما يخصّه، فقد كان ذلك الغرَض يُشعرُه بأنّه أقرَب منّي.

وفي تلك الفترة التي دامَت أكثرمِن سنتَين، حصَلَ أنّ تعرّفتُ عند إحدى صديقاتي على شاب خطَفَ قلبي. لكنّه كان مُقيمًا في الخارج وأتى لِقضاء فرصته الصيفيّة وحسب. وقَعنا في الحبّ وتألَّمتُ كثيرًا عندما غادَرَ إلى حيثُ هي حياته. لكنّنا بقينا على تواصل، وسرعان ما أدرَكنا أن مصيرنا هو الإرتباط الجدّي، لِذا ما لبِثَ أن عادَ حالما استطاعَ ذالك وقضَينا فترة تواعُد مدّتها أسبوعان. علِمَ والدايَ بالأمر وتقصّيا عنه، فتبيَّنَ لهما أنّه شاب مُمتاز وله مُستقبل واعد. إلا أنّني كنتُ أُريدُ مُتابعة دراستي الجامعيّة وقد كان يتبقّى لي سنة واحدة قبل تخرّجي، لِذا طلبتُ مِن حبيبي الإنتظار. فالفتاة أو السيّدة مِن دون شهادة قد تجِدُ نفسها في مواقف حيثُ عليها تدبُّر نفسها بِنفسها، فمَن يعرفُ حقًّا ما ينتظرُني في الخارج؟ صَبر حبيبي وإستفَدنا مِن تلك السنة لِنتعرّفَ على بعضنا أكثر، مِن خلال زياراته للبلاد وسفَرَي له لأرى إن كان يُعجبُني حيث سأسكُن.

كّل ذلك حصَلَ مِن دون أن يعلًم جهاد بشيء، فإن كان يأتي لِجَلب الحاجيات ولا يراني، كان يحسبُني في غرفتي أو عند صديقة لي. وهو طبعًا رأى مرّة او إثنتَين شابًّا غريبًا في الحَي، لكن افتتانه بي المُطلَق منعَه مِن تصوّره حبيبًا أو خطيبًا لي.

 

قد يهمّكِ أيضاً