مخاوف شلَّت حياتي

مخاوف شلَّت حياتي

ـ أرى أنّ هذا التلميذ يرفعُ يده باستمرار ولدَيه ما يقوله... أليس كذلك؟

 

كان بذلك يعني أحد التوأمَين. فاضطرِرتُ إلى إعطاء الكلام للولد وحتى حمله على القدوم إلى اللوح لِحلّ مسألة. لَم أكن مسرورًا للأمر فسرعان ما رفَعَ أخوه يده. إستجبتُ لطَلب الأخ وكَم تفاجأتُ بهما، فقد كانت لدَيهما الأجوبة الصحيحة على خلاف باقي التلامذة وعلى خلاف أيضًا علاماتهما في الامتحان. عندها قال لي الأستاذ كمال:

 

ـ أرى أنّ هناك مواهب في صفّكَ... ومِن المؤسف ألا نُنميّها... هل تُشاطرُني رأيي؟

 

لَم أجب وتابعتُ الحصّة. عادَ الأستاذ كمال يوميًّا إلى صفّي لأسبوعَين، ولَم أرَه سوى خلال حصصي مع أنّني حاولتُ اللحاق به لأسأله عن أحواله لكنّه بقيَ يتفاداني. للحقيقة لَم يُرِد التكلّم معي حتى ينتهي الدرس الأخير الذي كان ينوي تلقينه لي، درس كان بمثابة خشبة خلاصي مِن خوف لازماني طوال سنوات.

فيومًا بعد يوم، ومِن أجل أستاذي، بدأتُ أُعطي أهميّة للتوأمَين لا بل صرتُ أحبّ معرفة أجوبتهما التي كانت دائمًا صحيحة ومنطقيّة. كان لدَيّ شخصان موهوبان للغاية وكدتُ أقضي على مستقبلهما.

وبعد أسبوعَين قال لي الأستاذ كمال:

 

- أرى أنّ الوقت حان للقيام بتلك الرّحلة التثقيفيّة.

 

نظرتُ إليه بدهشة، فمِن الواضح أنّه كان يعرفُ الكثير عن عملي. حاولتُ مُناقشة الأمر معه إلا أنّه أدارَ ظهره وغادرَ الصفّ قائلاً:

 

- علينا يوماً القضاء على شياطيننا... فنحن أقوى منهم بكثير.

 

لَم أنَم في تلك الليلة وأنا أفكّر بطريقة لتفادي الرحلة، لكنّني خجلتُ مِن أستاذي وأرَدتُ، كأيّ تلميذ في العالم، إثبات نفسي له.

لن أُطيل الشرح عن حالتي النفسيّة خلال رحلتنا التثقيفيّة، فكانت عينايَ مُثبّتة على التوأمَين أنتظرُ أن يحصل لهما مكروه في أي لحظة. وبقيتُ أتفقّد ساعتي بانتظار انتهاء الوقت المُتاح لنا، وخلتُ أنّ النهار لن يمرّ بسلام. لكنّ شيئًا لم يحصل سوى أنّ تلاميذي قضوا وقتًا مُمتعًا... على خلافي!

حين وصلتُ إلى البيت في آخر النهار، أحسَستُ وكأنّني قمتُ بمجهود جسديّ هائل فنمتُ نومًا عميقًا. عندما استيقظتُ في الصباح شعرتُ براحة لَم أختبرها مِن قبل. رددتُ الأمر إلى ساعات النوم الطويلة التي حظيتُ بها إلا أنّ شيئًا آخر كان قد حصَلَ لي. علِمتُ ما هو حين بدأتُ أسبوعي التعليميّ ودخلتُ صفّي. فعندما نظرتُ إلى تلاميذي الجالسين على مقاعدهم، لَم أعد أرى التوأمَين فقط بل المجموعة بأكملها. إبتسَمتُ وقلتُ لهم:

 

- أظنّ أنّنا سنقضي يومًا مُمتعًا سويًّا.

 

لَم يأتِ الأستاذ كمال في ذلك اليوم أو في الأيّام التالية، ولأنّني لَم أكن أملكُ رقم هاتفه أو عنوانه طلبتُ تلك المعلومات مِن المدير، فكان مِن الواضح أنّه الذي سمَحَ له بحضور حصصي أو معرفة موضوع الرحلة. تفاجأتُ كثيرًا عندما ابتسمَ مديري وقال لي:

 

ـ لا بدّ أنّكَ كنتَ تلميذًا مميّزًا لدى الأستاذ كمال، فهو صديق عزيز عليّ وعندما علِمَ بأنّكَ مدّرس هنا، طلَبَ منّي خدمة... غير إعتياديّة.

 

ـ تقصد حضور حصَصي؟

 

ـ هذا... وأيضًا وضع توأمَين في صفّكَ.

 

ـ ماذا؟!؟

 

ـ أجل... إسمع ما سأقوله لكَ جيّدًا... التعليم ليس مهنة بل رسالة، وعلى الأستاذ أن يُعطي كلّ ما لدَيه لتلاميذه وأنّ يتخطّى كلّ العوائق مِن أجل تحضيرهم لِملاقاة العالم ومستقبلهم. لكنّ الأستاذ هو أيضًا إنسان كباقي الناس وليس بطلاً خارق، لِذا عليه أن يتعلّم مِن تجاربه ليرتقي بِرسالته. وهذا ما فعلَه الأستاذ كمال مِن أجلكَ.

 

أخذتُ رقم أستاذي القديم وأسرَعتُ للإتصال به وشكره على الذي فعله مِن أجلي. وقبل أن نُقفل الخط قال لي:

 

ـ أنتَ جاهز الآن... صحيح أنّكَ أضعتَ سنوات عديدة مِن حياتكَ لكنّ الأوان لَم يفت... إفتح قلبكَ وعقلكَ للعالم واستمتع بالحياة فهي هبة ثمينة. مهمّتي إنتهَت معكَ وها أنا أُسلّمُكَ الشعلة. إذهب وغيّر حياة تلاميذكَ إلى الأفضل. أنتَ إنسان مميّز وبإمكانكَ فعل المعجزات.

 

أنا اليوم متزوّج وسعيد في حياتي كزوج وأب. أذهبُ للتدريس كلّ صباح بحماس وسعادة، فمع كلّ شروق، لديّ فرصة لأغيّر العالم إلى الأفضل.

 

حاورته بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً