مخاوف شلَّت حياتي

مخاوف شلَّت حياتي

لَم أستوعِب كلام أستاذي فكنتُ لا أزال مُراهقًا وعقلي لَم يكن ناضجًا كفاية لفَهم أبعاد النفس البشريّة، فتابعتُ حياتي وأنا أحمِلُ ثقل جنينَين لَم يتسنَّ لي رؤيتهما حتى.

فادي وفؤاد... وضعتُ هذَين الإسمَين في رأسي فبقيا معي وبداخلي في كلّ ثانية، وعشتُ بِرفقة شبحهما والخوف الذي صارَ يزدادُ مع الوقت ويمنعُني مِن الإرتباط بأحد أو حتى التفكير بالمستقبل.

علاقتي بوالدَيّ تأثّرت كثيرًا، فبتُّ أشعرُ بأنّني خيارهما الثاني، أي الإبن الذي أنجباه للتعويض عمَّن مات. إضافة إلى ذلك، كنتُ أخافُ عليهما كثيرًا، فلو هما ماتا أيضًا أكون الولَد الذي يجلبُ لمَن حوله الموت والفأل السيء.

أجل، إعتقدتُ لسنوات طويلة أنّني أسبّبُ للآخرين الموت. مشاعر كثيرة ومُتضاربة لَم أكن قادرًا على التعامل معها. كان يجدرُ بي التكلّم فقد كان بامكان أخصّائيّ مُساعدتي.

تدنَّت علاماتي في المدرسة إلا أنّني لَم أرسُب، بل وصلتُ إلى الجامعة حيثُ اختَرتُ إختصاصًا لَم أحبُّه. لَم يكن يهمُّني الأمر كثيرًا، فبنظري لن يتغيّر شيء بالنسبة لي. لِذا درستُ الآداب.

حياتي العاطفيّة كانت طبعًا معدومة، فلِما أجني على فتاة بِجلب المآسي لها؟ كنتُ الشخص الذي يجب الإبتعاد عنه كي لا يحصل أي مكروه. قد تجدون الأمر مُضحكًا أو مُبالغًا به لكنّ ذلك كان فعلاً شعوري.

صِرتُ أستاذًا في مدرسة إبتدائيّة، وأعجبَني العمل إذ كنتُ مُحاطًا بالأولاد الذين لَم يكونوا لي، أي أنّني لن أضطرّ للخوف عليهم إن مرضوا أو وقَعَ لهم حادث. فبعد انتهاء الدوام كانوا يعودون إلى ذويهم وحسب.

شيء واحد كنتُ أصرُّ عليه وهو ألا يكون في صفّي توأمان، وقد أقنعتُ إدراة المدرسة بأنّ تفريق توأمَين مُفيدٌ أكثر لهما، الشيء الذي كان صحيحًا بحدّ ذاته. فلَم أكن أتحمّل التواجد مع تجسيد أكبر خوف لدَيّ. على كلّ الأحوال، كنتُ أجهلُ كيف أتعامل مع وضع مُماثل لو حدَث... لكنّه حدَثَ.

فقد تفاجأتُ كثيرًا يوم رأيتُ في بداية السنة الدراسيّة الجديدة ولدَين توأمَين جالسَين في صفّي على مقعدَيهما، وخلتُ أنّ قلبي سيتوقّف مِن الرعب. ثمّ شعرتُ بِعرقي يتصبّبُ باردًا مِن مسامي. تركتُ الصفّ بسرعة وركضتُ إلى مكتب المُدير لأعرِب له عن إستيائي وأحاول تصحيح الوضع بأقرب وقت. إلّةا أنّ الرجل بقيَ مُصرًّا على إبقاء الولدَين حيث هما. فكّرتُ بتقديم استقالتي على الفور، إلا أنّني تراجعتُ عن ذلك بسبب الراتب الذي كنتُ بحاجة إليه لِتسديد دفعات سيّارتي الجديدة. عُدتُ إلى الصفّ وفي بالي شيء واحد: عدَم التعامل مع هذَين المخلوقَين الصغيرَين، أي تجاهلهما كلّيًّا، الأمر الذي كان طبعًا مُنافيًا لِمبادئ التعليم.

ولِدَ لدَيّ صراع شديد بين عواطفي وعقلي، فكنتُ أعلمَ أنّ خوفي مِن هذَين التلميذَين لَم يكن منطقيًّا، وصرتُ أستيقظُ صباحًا وبي رغبة شديدة لعدَم الذهاب إلى عملي. كنتُ أشعرُ وكأنّني مريض فأحملُ الهاتف لأُخبر المدرسة أنّني لن آتي... ومِن ثمّ أتراجع عن ذلك.

مرَّ الفصل الأوّل بسلام، إذ أنّني تمكّنتُ مِن تجاهل التوأمَين بسلاسة، أي مِن دون أن ينتبه القيّمون إلى شيء، لكنّ الولد يشعرُ بِفطرته بمَن يُحبّه أولا، فتأثّرَت علامات الولدَين بمعاملتي لهما، الأمر الذي حمَلَ المدير أخيرًا إلى استدعائي للإستفسار. رددتُ له الأمر إلى نظريّتي الأولى، وهي أنّه لا يجب جَمع توأمَين في الصفّ نفسه، وانتهى الأمر.

في بداية الفصل الثاني حان موعد رحلة تثقيفيّة إلى أحد المعالم الأثريّة أقومُ بها لتلاميذي سنويًّا، وانتابَني الهمّ. ماذا لو حصَلَ مكروه للتوأمَين؟ هل كنتُ سأتسبّبُ بأذّيتهما كما فعلتُ مع أخوَيّ؟ لَم أنَم لليالٍ مُتتالية، وقرّرتُ عدم اصطحاب تلاميذي إلى الرحلة وانتهَت همومي بلحظة.

أعترفُ أنّني في تلك السنة لَم يؤلمُني ضميري كأستاذ لِما أفعلُه بالتوأمَين، فراحة بالي كانت أهمّ منهما بكثير. أجل، فالخوف أكبر مِن أي منطق أو عاطفة، وعندما ينتابُنا تستيقظُ فينا الغريزة وينامُ العقل والضمير.

لكن في أحد الأيّام، دخَلَ زائر صفّي ولَم أصدّق عينَيّ حين رأيتُ أستاذي القديم السيّد كمال واقفًا أمامي يبتسمُ لي بِفخر. طلبَ منّي الأذن بحضور حصّتي وقبلتُ بسرور. سارَت الحصّة بسلاسة إلى حين قال لي الأستاذ كمال عاليًّا:

 

قد يهمّكِ أيضاً