محتال مخضرم

محتال مخضرم

وعندما نشَفتُ دموعي، إتصَلتُ بِرنا لأقول لها إنّ الشاب الذي سلّمَت نفسها له كان يُريد فعل الشيء نفسه معي، و ادّعى أنّه يُحبُّني. لكنّ ردّة فعلها لَم تكن كما توقّعتُ، بل هي بدأَت بالصّراخ عليّ واتّهمَتني بأنّني لست فقط أتجسّسُ عليها بل حاولتُ أخذ حبيبها منها. حاولتُ جهدي لإفهامها أيّ نوع مِن الرجال هو وجدي، وأنّه لا يُحبّها بل يستغلُّها، إلا أنّ رنا بقيَت على موقفها العدائيّ منّي. حزنتُ كثيرًا لفقدان صديقة عزيزة عليّ بسبب إنسان بلا اخلاق، لِذا التجأتُ إلى باقي صديقاتي مُلتمسةً النصيحة منهنّ، مِن دون أن أخبرهنّ بأنّني رأيتُ رنا في ذلك المكان البشع تقبّلُ حبيبها، بل اكتفَيتُ بالقول إنّ شابًّا تلاعَبَ بنا نحن الاثنتَين وإنّ رنا ظنَّت أنّني سرقتُه منها عمدًا.

عند استماعهنّ لي وأنا أروي ما جرى، سادَ السكوت بين صديقاتي. ولَم أفهَم لماذا إلا حين بدأَت احدهنّ بالبكاء وتلَتها الثانية ثمّ الثالثة. واتّضَحَ لي أنّ وجدي كان قد أغرى جميعنا، الوحدة تلوى الأخرى، إلا أنّني كنتُ الوحيدة التي لَم تدَعه يلمسُها، ليس لأنّني أكثر حكمة مِن الباقيات، بل لأنّ وجدي لم يتسنّ له الوقت الكافي لإقناعي. فالفتيات في سنّنا تنقصهنّ الخبرة في الحياة، وما هو أهمّ، الجرأة الكافية لرفض شاب كهذا. واكتشَفنا جميعًا أنّ وجدي كان يوهمُ كلاً منّا بأنّه يأتي إلى المقهى لرؤيتها، وأنّه يُحبُّها ويُريدُ التأكّد مِن حبّها له فعلاً، أي بالاستسلام له. إلا أنّ أيًّا منّا لَم تخسَر أغلى ما لدَيها. لكن كان هناك أفظع مِن ذلك.

فبعد أن أخبَرنا بعضنا بالذي يجري، بقيَ أن تعرف رنا الحقيقة، لذا دَعَتها صديقاتي إلى بيت إحداهنّ بعد أن أكّدَت لها أنّني لن أكون موجودة بسبب ارتباط عائليّ. بالطبع كنتُ أنا موجودة مختبئةً في إحدى الغرف بانتظار مجيئها. وحين صارَت رنا داخل البيت، ظهرتُ فجأة صارخة:

 

- لستُ خائنة، بل ضحيّة وجدي شأننا جميعنا. لقد تلاعَب بمشاعرنا كلّنا، ووقَعنا في فخّ إنسان وسخ لا ضمير له. عندما أفكّر أنّه ليس وسيمًا أو حتى مميّزًا وأنّه أوقَعَ بخمس بنات في حبّه، أدركُ مدى جهلنا، وما هو أهمّ، تعطّشنا للحبّ والحنان، أو حتى لمَن يُصغي إلينا. يُمكنكِ الرحيل إليه الآن، وإعطاؤه ما يسعى إليه، أو الاستماع إلينا وتصديقنا.

 

بدأَت رنا بالبكاء وتمتمَت:

 

- لقد فات الأوان

 

بكينا معها، وبكينا مِن أجل فتاة خسَرت شرفها مع شاب بلا ضمير لا ولن يُحبّها يومًا. وبعد حوالي الساعة، عندما استطاعَت رنا التكلّم، قالَت لنا إنّ ذلك الوحش يملكُ صورًا لها وله بأوضاع حميمة في ذلك المقهى المُقزّز الذي اصطحبَني إليه، وإنّه يبتزُّها منذ فترة. وهي بالتالي مُجبرة على فعل ما يُريدُه منها وأن تلبس له ثيابًا خاصّة.

فجأة صرختُ فيها:

 

- إنّه يكذب! لقد ذهبتُ إلى ذلك المكان ولا يُمكنُ لأي لأحد أخذ صور لكثرة الظلمة!

 

لكنّ إحدى صديقاتي أجابَت:

 

ـ هناك الكاميرات الليليّة ذات الأشعة تحت الحمراء!

 

ـ لا أظنّ أنّ وجدي مجّهَز بهكذا تكنولوجيا، فهو لا يملكُ المال الكافي لاستئجار غرفة في فندق لأخذ ضحاياه إليها. لا، إنّه يُخيفُ رنا فقط.

 

ـ وماذا لو كانت هناك فعلاً صوَر لِرنا معه؟ كيف نُجازف بِشرفها؟

 

ـ المُجازفة بِشرفها قد حصلَت. ولكن هل يُعقل أن تبقى رهينة له مدى حياتها؟ إلى جانب ذلك، إن ظهرَت تلك الصوَر، فسيكون مُتضرّرًا أيضًا.

 

ـ كيف ذلك؟

 

ـ دعوا الأمر لي.

 

إتّفقتُ مع صديقاتي على أن نُعطي جميعنا موعدًا لوجدي في مقهانا المُعتاد. وعندما وصل، قمتُ مِن مكاني ورحتُ أجلسُ معه. تفاجأ كثيرًا وقال:

 

ـ ماذا تفعلين؟ عودي لمكانكِ! ستعرفُ صديقاتكِ بأمرنا!

 

ـ أريدُهنّ أن تعرفنَ... فحبّي لكَ أكبر مِن أن يبقى في الخفاء.

 

ـ إذًا سأرحلُ أنا، وسوف أكون مَن يُحافظ على سمعتكِ.

 

ـ بل ستبقى مكانكَ أيّها الكاذب والغشّاش والمبتزّ!

 

إستدَرتُ نحو صديقاتي وأومأتُ إليهنّ بأن تجلسنَ معي إلى طاولة وجدي. ومِن ثمّ قلتُ له:

 

ـ تقولُ إنّ بحوزتكَ صورًا فاضحة لِرنا؟

 

ـ أجل!

 

ـ أرِنا إيّاها! للحقيقة، لا أصدّقُكَ! وإن كنتُ مُخطئة، فأنا أكيدة مِن أنّكَ لن تستعمِلُها.

 

ـ وما الذي يُؤكّدُ لكِ ذلك، يا شاطرة؟

 

ـ لأنّ القانون يُعاقبُ المُبتزّين والكذّابين والذين يسرقون شرَف البنات. لحظة ما تظهرُ أيّة صورة، سندّعي جميعنا عليكَ. صحيح أنّ الناس ستتكلّم عن رنا، لكنّهم سينسون قصّتها فور ظهور قصّة مشوّقة أكثر. أمّا أنتَ، فستكون في السجن. وحتى بعد أن تخرج منه، سيكون ذلك مدوّنًا على سجلّكَ إلى الأبد. فمَن الخاسر الأكبر... يا شاطر؟

 

نظَرَ وجدي إليّ بخوف شديد وكأنّه يرى أمامه وحشًا. كدتُ أبتسمُ لذلك المشهد إلا أنّني تماسكت. وتمتمَ وجدي:

 

- ليس لديّ صوَر على كلّ حال

 

وخرَجَ ركضًا مِن المقهى... ولَم نرَه أو نسمَع عنه بعد الآن.

علِمنا لاحقًا أنّ رنا لَم تخسر شرفها بعد أن ذهبَت إلى طبيبة نسائيّة، فأرتاح قلبنا. ويا لَيت كان أهلنا أقرب إلينا، لكانوا أخبرونا عن الحياة بدلاً مِن أن يجعلوا بقمعهم كل شيء مرغوبًا. يا لَيتهم كانوا أصدقاء لنا، لِنحكي لهم كلّ ما يحصلُ لنا ونستمع إليهم ولِنصائحهم. صحيح أنّنا تجنّبنا مصيبة كبيرة، لكن ماذا كان سيحصل لو تمكّنَ وجدي فعلاً منّا؟ مَن كان سيُلام؟

 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً