محتال مخضرم

محتال مخضرم

لَم أنَم قط في تلك الليلة، وأنا استذكرُ قُبلتنا الأولى. وحين غلَبَني النوم أخيرًا، كانت بسمة عريضة مُرتسمة على وجهي. كنتُ على ما يبدو إحدى المحظوظات اللواتي وجدنَ الحبّ مِن أوّل مُحاولة.

وصارَت مكالماتي مع وجدي أكثر حميميّة، أيّ أنّه أخبرَني أنّه ينتظرُ بفارغ الصّبر لحظة أصيرُ زوجته ليُعبّر لي فعليًّا عن حبّه الكبير لي، وأنا بدأتُ أتصوّرُ ليلتنا الأولى كزوجَين. لكن بعد فترة قصيرة، أعرَبَ وجدي لي عن قلقه حيال مشاعري تجاهه، فحسب قوله، لَم يرَ أيّة مبادرة منّي تطمئنُه، بعد أن بقيتُ مُصرّة على عدَم مُقابلته على انفراد. إتّهمَني بأنّني أتلاعبُ بقلبه المسكين أو أنّ هناك شخصًا آخر في حياتي. إستنكرَتُ عاليًا، ومِن ثمّ قبِلتُ برؤيته. أعرفُ تمامًا ما تقولونَه عنّي الآن، أيّ أنّني فتاة ساذجة على وشك الوقوع في فخّ محتال مُخضرم. وأنتم تمامًا على حقّ.

إلتقَيتُ بوجدي في مقهى بعيد عن الأوّل، وقد استقلَّيتُ سيّارة أجرة للوصول إلى هناك. جلستُ بالقرب مِن حبيبي في ذلك المكان المُظلم. نظرتُ إلى الطاولات مِن حولنا، وبالرّغم مِن الظلام، إستطعتُ رؤية أناس آخرين أو بالأحرى عُشّاقًا يتبادلون القُبَّل وأكثر مِن ذلك أيضًا. شعرتُ بِخجل كبير، وحين ابدَيتُ انزعاجي لوجدي بما يخصّ اختياره للمكان والذي يجري فيه، قال لي ضاحكًا:

 

ـ تُعجبُني براءتكِ... وهي بالذات ما شدّني إليكِ... هؤلاء الناس مُتحابّون.

 

ـ ولماذا الظلمة؟

 

ـ لأنّ مُعظمهم مثلنا، يختبئ مِن أعيُن الناس. وهناك مَن هم مُتزوّجون ولا يُريدون فضح علاقتهم غير الشرعيّة.

 

ـ صحيح أنّني لا أريدُ أن يعرفَ أهلي بالتقائي بكَ، إلا أنّني لا أفعلُ شيئًا فظيعًا لدرجة الجلوس في مكان كهذا.

 

ـ ربّما ليس بعد.

 

وقبّلَني وجدي مرّة أخرى، إلا أنّني لَم أستمتع بالقبلة كالمرّة السابقة، بل ابتعدتُ عنه قائلة:

 

- لستُ كهؤلاء النساء... أريدُ الرحيل!

 

ركضتُ باكية خارجًا، ووقفتُ عند زاوية الشارع لإيقاف سيّارة أجرة والعودة إلى البيت. أمِلتُ طبعًا أن يلحق بي وجدي للاعتذار منّي ومواساتي بعدما بدأتُ بالبكاء، إلا أنّه بقيَ في الداخل، الأمر الذي أثارَ استغرابي. لِذا، نسيتُ موضوع التكسي وراقبتُ مدخل المقهى وساعتي. وبعد أكثر مِن ساعة على هذا النحو، رأيتُها.

ركنَت صديقتي رنا سيّارتها أمام المقهى، وخَرَجَت منها مُرتدية ملابس غير لائقة. لَم أحسب حساب رؤيتها في مكان كهذا، خاصّة أنّها كانت تشدّدُ كثيرًا على سمعتها، وتقضي مُعظم وقتها بالصّلاة وحفظ تعاليم الله. إنتظرتُ حوالي الربع ساعة ودخلتُ المقهى. وبعد أن تعوَّدَ نظري على الظلمة، إستطعتُ رؤية رنا بصحبة وجدي، أو بالأحرى وهي تقبّلُه بِشغف. كدتُ أصرخُ لشدّة مفاجأتي وغضبي، فقد حسبتُها جاءَت للقاء أحد ما ولكن ليس حبيبي. عدتُ إلى البيت وقلبي ينزفُ، وبقيتُ في غرفتي طيلة يومَين. عندها استوعَبتُ لماذا وجه وجدي كان مألوفًا عندي، فلا بدّ أنّني رأيتُه قبل ذلك في المقهى حيث أجلسُ مع صديقاتي، حين كان ينتظرُ رنا.

 

قد يهمّكِ أيضاً