ما هو مقدَّر أن يحصل

ما هو مقدَّر أن يحصل

لم يعد أحد يُكلّمني عن الارتباط، وأصبحتُ العازب الدائم الذي يذهب إلى السّهرات والمناسبات لوحده، وأعترف أنّني كنتُ سعيدًا هكذا ولم أشعر بأيّة حاجة إلى وجود امرأة معي.

مرَّت السنوات بهناء، وأصبحتُ في الخمسين مِن عمري حين أخَذَت حياتي منعطفًا غير متوقّع قلَبَ كل المعطيات وبشكل غريب جدًّا. فذات يوم، أثناء انتظاري خروج سيّارتي مِن المغسل، سمعتُ صوت ضحكات تتعالى. خرجتُ مِن غرفة الانتظار وإذ بي أرى امرأة تحاول إخراج كعب حذائها مِن شق في الطريق. كان عمّال محطّة الوقود واقفين يضحكون عليها، لأنّ حذاءها بقيَ عالقًا بينما أصبحَت هي حافية. غضبتُ مِن ردّة فعل العمّال، وركضتُ أنقذ المسكينة التي كانت على شفير البكاء. أخرجتُ الحذاء مِن الشق، وساعدتُها على انتعاله حتى الوصل إلى قاعة الانتظار حيث اشترَيتُ لها قنّينة ماء وفنجانًا مِن القهوة.

شكَرَتني السيّدة بحرارة وعندما قرّرَت الرحيل، إنكسَرَ كعب حذائها وكادَت تقع أرضًا. فقلتُ لها:

 

ـ إسمحي لي بإيصالكِ حيث تسكنين لتبدّلي حذاءكِ... لا تخافي فأنا رجل محترَم ومعروف في الجوار... إلى جانب ذلك، إعلَمي أنّني غير مهتمّ بالنساء.

 

ـ تقصد أنّكَ...

 

ـ لا! لا تسيئي فهمي، ما أقصدُه هو أنّني مرَرتُ بتجارب فاشلة ولم أعد أريد الدخول في علاقة مِن أيّ نوع مع الجنس الآخر، حتى لو كانت صداقة بحتة.

 

صعِدَت معي تلك السيّدة وقدتُ بها حتى منزلها، وأنتظرتُها في السيّارة لتبدّل حذاءها.

عندما عادَت إلى المركبة سألتُها أين تريدني أن أقلّها فقالت لي:

 

ـ إلى مقرّ عملي... لقد أخذتُ إجازة نصف نهار لأقصد المختبر وآتي بنتائج فحوصات أمّي.

 

ـ حسنًا... أعطِني العنوان.

 

وكم كانت دهشتي كبيرة حين علِمتُ أنّها موظّفة في الشركة التي أملكها! لم أكن أدري بوجودها لأنّها كانت تعمل في قسم الأرشيف وقد تمّ توظيفها مباشرة مِن قِبَل المسؤول عن الموارد البشريّة. ضحكنا لهذه الصدفة الغريبة وأنزلتُها أمام مدخل عملنا.

في اليوم التالي إتصَلتُ بقسم الأرشيف لأسأل عن نجوى وعن أمّها، فقالَت لي إنّهنّ بخير. ومِن ثمّ أضافَت:

 

ـ أودّ أن أسألكَ... أرجو ألا تجدني متطفّلة ولكن... عندما وصلتُ العمل البارحة أخذتُ أفكّر بأمر، لنقل غريبًا... منذ لحظة ما رأيتُكَ وأنا أشعر بأنّني أعرفكَ... وبما أنّني لم ألتقِ بكَ في الشركة يومًا ولا نسكن في الحيّ نفسه، لا بّد أنّ معرفتنا تعود إلى مرحلة قديمة.

 

ـ قديمة؟ أي أيّام الجامعة مثلاً؟

 

ـ لا أدري... أين درستَ؟

 

قد يهمّكِ أيضاً