ما أكبر حكمتكَ يا رب!

ما أكبر حكمتكَ يا رب!

وقفتُ أمامها والدّموع تنهمر على خدَّيَّ كالطفل الصغير، ورحلتُ أبكي على سجيّتي في المكان الذي كنت ألجأ إليه حين كنتُ أعاني مِن برودة أبويَّ، أي في حرج قريب مِن بيتنا مليء بالأشجار العالية والكثيفة. جلستُ على جذع شجرة مقطوعة، ونادَيتُ الله الذي لطالما سانَدَني، وسألتُه لِما تخلّى عنّي حين كنتُ على وشك بلوغ أقصى سعادتي. وبعدما مسحتُ دموعي، عدتُ إلى البيت حيث سجنتُ نفسي لمدّة أشهر.

وبعدما استطعتُ لملمة نفسي مِن جديد، قرّرتُ البحث عن عمل ووجدتُ بسرعة وظيفة في شركة عالميّة. وعادَ إليّ التفاؤل، وانكببتُ على مسؤوليّاتي لأنسى علياء وخيانتها لي.

وصعدتُ سلّم النجاح بفضل ذكائي ومهارتي، فكما قلتُ سابقًا كنتُ دائمًا مِن المتفوّقين في مجالي. وجاء مديري وعَرَضَ عليّ منصبًا يتطلّب أخذ القرارت المهمّة لمسار الشركة، وتفاجأتُ بهذا الكم مِن الثقة واختياري أنا بالذات على مَن كان موجودًا قبلي بكثير. ولكنّني لم أخَف مِن شيء لأنّني كنتُ أهوى التحدّيات. وازدَدتُ اجتهادًا، وبتُّ أعمل لساعات طويلة بعد الدوام لأنجز الملفّات في الوقت المناسب، خاصّة أنّني كنتُ أضع توقيعي على كلّ منّها وأتحمّل مسؤوليّة سير العمل. كنتُ قد نسيتُ علياء بعد أن انفَتَحَت الأبواب التي أغلَقتها بمكرها.

ولكنّ نعيمي لم يدم طويلاً. فذات مساء حين كنتُ كعادتي في الشركة أنهي ملفًّا بعد الدوام، غرقتُ في النوم لكثرة تعبي. وإذ بي أستيقظ على أصوات آتية مِن آخر الرّواق. في البدء ظننتُ أنّني أحلم، لأنّ كلّ الموظّفين كانوا قد غادروا منذ ساعات، ولكن سرعان ما أدركتُ أنّ هناك فعلاً أحد في أحد المكاتب. نهضتُ مِن كرسيّ وتوجهتُ نحو مصدر الأصوات، وإذ بي أفاجئ المدير وسكرتيرته في وضع حرج. وصَرَخ بي الرجل:

 

ـ ما بكَ تنظَرَ إليّ هكذا؟ إرحل! إرحل!

 

وتركتهما وملفّي وعدتُ إلى بيتي. صحيح أنّني تفاجأتُ بما كان يفعله مديري، خاصّة أنّه كان متزوّجًا، ولكنّ الأمر لم يكن مِن شأني. فعندما عدتُ إلى الشركة في اليوم التالي، كنتُ قد نسيتُ الموضوع لكثرة إنشغالاتي. إلا أنّ مديري لم يكن ينوي المخاطرة بإبقائي بالقرب منه، فقد خاف أن أفضَحَ أمره عند زوجته أو باقي الموظّفين. لِذا قرَّرَ الإستغناء عن خدماتي. وحين استدعاني إلى مكتبه في الصباح الباكر قال لي:

 

ـ إسمع... لَديكَ خياران: إمّا أن تستقيل على الفور أو أن تبقى. إذا إختَرت الثاني لن تكون مسرورًا، لأنّني سأعمل جهدي لإيجاد أصغر خطأ تقترفه لأتذرّع به وأحمل قضّيتَكَ أمام مجلس الإدارة... وهذا لن يكون لمصلحتكَ عندما تفتّش عن عمل جديد... هل كلامي واضح كفاية؟

 

وأمام ذلك التهديد ولأنّني كنتُ أعلم أنّ الرجل ينوي فعلاً التخلّص منّي، فضّلتُ الإستقالة. وتبخّرَت أحلامي بالنجاح وذهَبَ معها تعبي. كنتُ قد تغلّبتُ على ما حَدَث لي مع علياء بفضل انكبابي على عملي، فوجدتُ نفسي فجأة مِن دون شيء. قصدتُ ملجئي المعتاد لأتحسّر على نفسي وأناجي ربّي بعدما خذلني مرّة أخرى.

وفي طريقي إلى البيت، عادَت إليّ آمالي، لأنّني قرّرتُ تأسيس شركة خاصّة لي بالمال الذي ادَّخَرتُه مِن عملي والذي سلّمتُه لأمّي قائلاً:

 

ـ خذي منه ما يلزمكِ للمنزل وخبّئي لي الباقي، فلَن أجد مكانًا أفضل لحفظه.

 

وحين طالبتُ والدتي بما هو لي، نظَرَت إليّ بِحَرَج وأجابَتني:

 

ـ تعلم كيف هو أخوكَ...

 

ـ وما دخل أخي بالموضوع؟

 

ـ أعنّي أنّه في ضيقة ماليّة دائمة... هو ليس بذكائكَ أو شطارتكَ وكلّ شيء صعب عليه... لم أستطع تركه هكذا... لذا...

 

ـ ماذا فعلتِ؟؟؟

 

ـ لقد أعطَيتُه مدّخراتكَ... لا تزعل منّي يا بنيّ! قال إنّه سيُرجع مالكَ حالما يجد عملاً.

 

- وصدّقتِه؟؟؟ لطالما كان كسولاً وكذوبًّا... وذلك بسبب تدليعكِ له أنتِ وأبي... فضلّتماه عليّ وأعطيتماه حبّكما وانتباهكما، والآن ما هو لي... يا ليتني أعرف السّبب... ماذا فعلتُ لكما كي أكافأ على هذا الشكل؟ ليُجازيك الله... هذا إن كان يسمعني بعد... فالظاهر أنّه تخلّى عنّي هو الآخر... وداعًا يا أمّي.

 

قد يهمّكِ أيضاً