ماذا يحصل لأبي؟

ماذا يحصل لأبي؟

بعد حوالي الشهر، تلقَّيتُ إتّصالاً مِن والدي وجدتُه مُريبًا للغاية. كان يُريدُ منّي مبلغًا مِن المال لا بأس به، مع أنّه لَم يكن بحاجة إلى مَن يُعطيه شيئًا، فهو وضَعَ جانبًا تعويضه الذي قبضَه بعد سنوات طويلة مِن العمَل، وكنتُ وأخوَتي نمدُّه باستمرار بمبالغ رمزّية تعبيرًا عن امتنانِنا لِما فعلَه لأجلنا طوال سنوات ولنقوم بواجباتنا كأولاد صالحين. كنتُ أودُّ سؤاله لِما يحتاجُ لذلك المبلغ إلا أنّني خجِلتُ مِن ذلك، فحوّلتُ له ما أرادَه على الفور. بقيَ الأمر يشغلُني إلى أن خابرَني أخي الكبير ليقولَ لي إنّ والدنا طلَبَ منه الأمر نفسه. عندها علِمتُ أنّ المسألة جدّيّة. هل كان أبي يُعاني مِن مرض ما يريدُ إخفاءه عنّا؟ لكنّه كان مُغطًّى صحيًّا بالكامل، إذًا ماذا؟ دَينٌ بسبب لعِب المَيسرَ؟ لَم يُمسك أبي ورق لَعِب في حياته! تشاورتُ وزوجي وقرّرتُ أن آخذ طائرة إلى البلَد لمعرفة ما يجري.

تفاجأَ والدي كثيرًا بي، إلا أنّني لَم أرَ الفرحة في عَينَيه بل شيئًا آخرًا، مَزيجًا مِن الخوف والخجَل. لَم أسأله إن كان بإمكاني المكوث في بيته، بل رتّبتُ أمتعتي بسرعة في الغرفة التي كنتُ أشغلُها في صغري. أظنُّ أنّه علِمَ أنّني لَم آتِ فقط لزيارته، لِذا بقيَ صامتًا يتفادى النظر إليّ كالطفل الذي ارتكَبَ حماقة ما.

مرَّ يومٌ بكامله لَم أُفاتِح خلاله أبي بغرَض مجيئي، لكن في الصباح التالي قلتُ له:

 

ـ هل أنتَ بخَير يا بابا؟

 

ـ كما ترَين... أنا بألف خَير.

 

ـ لا تُسيء فهمي، لكن... هناك أشياء تخفيها عنّي وأنتَ الذي علّمَنا ألا نُبقي أسرارًا داخل عائلتنا.

 

ـ أبدًا يا حبيبتي، أبدًا.

 

ـ لا تغضَب منّي أرجوكَ، أريدُ أن أعلَم لماذا طلبتَ هذا القدر مِن المال منّي ومِن أخي... فقط مِن باب الإطمئنان.

 

ـ هل تُحاسبيني؟!؟ ألَم أقُم بواجباتي تجاهكم جميعًا؟ لقد خيَّبتِ ظنّي كثيرًا. أُريدُكِ أن تعودي إلى عائلتكِ!

 

حزنتُ كثيرًا لِما قالَه إلا أنّني وجدتُ الأمر مُبالغًا فيه للغاية، فكان مِن الواضح أنّ أبي أخَذَ كلامي كذريعة للتخلّص منّي. لِذا لَم أُغادِر البيت كما طلَبَ منّي أن أفعَل بل قرّرتُ المُماطلة ومُراقبة ما يجري. عندها فقط علِمتُ ما كان يُخفيه والدي بإصرار.

كان الأمر خفيًّا، إلا أنّني رأيتُ كيف ينظرُ أبي والعاملة إلى بعضهما. في البدء ظننتُ أنّني أتخايلُ أمورًا لا وجود لها، فأمعنتُ النظر أكثر وأكثر. وعندما تأكّدتُ مِن شكوكي، صرتُ أبحثُ عن المزيد. وفي الليلة التي تلَت، خرجتُ مِن غرفتي وجلتُ في البيت مِن دون أن أدري عمّا أبحث، قبل أن أتوجّه إلى غرفة العاملة... التي وجدتُها خالية! بدأَت دقّات قلبي تتسارَع، هل يُمكن أن...؟!؟ للحظة أردتُ عدَم التأكّد والعودة إلى غرفتي، لكنّني بدَّلتُ رأيي وقصدتُ غرفة والدي وألصقتُ أذُني على بابه... وسمعتُ بوضوح ما يدورُ داخلها. هكذا إذًا... هذا كان سرُّ والدي! حاولتُ تفهّم وضَع رجل وحيد يعيشُ مع إمرأة تحت سقف واحد لكنّه أبي! وما دَخل المال في الموضوع؟

إنتظرتُ الصباح الباكر لأطلبَ أخي الكبير هاتفيًّا وأُخبره بما اكتشفتُه. رأينا أنّ الأمر قد يكون عابرًا إلا أنّنا خفنا مِن تفاقم الوضع. وعدَني أخي باستشارة باقي أخوَتنا والعودة إليّ. للحقيقة، شعرتُ ضمنيًّا أنّنا نتدخّل بحياة أبينا ولا يحقُّ طبعًا لنا أن نفعل، إلا أنّ مسألة المبالغ الذي طلبَها منّا كانت مُقلِقة.

 

قد يهمّكِ أيضاً