لن يفرّق أحد بيننا!

لن يفرّق أحد بيننا!

لَم أفهَم سبب برودة هذَين الشخصَين تجاه أخي الوحيد، فهو لَم يكن يومًا ولدًا مُشاغبًا، واجتاحَت قلبي كآبة بانَت للعيان. وفي تلك الفترة بالذات، أخذتُ قرارًا حاسمًا: سألحقُ بِيوسف عند بلوغي الثامنة عشرة! أبقَيتُ الأمر لنفسي، فكنتُ قد شاهدتُ كيف أنّ أبي بالتبنّي يُمكنه أن يكون عنيفًا، وبدأتُ أحلم باليوم الذي أجتمعُ بأخي بصورة دائمة.

بقيَ أخي يزورُني إلى أن حصَلَ على شهادته في الأعمال. وكان قد بقيَ لي سنة واحدة لتنفيذ ما في رأسي. كنّا قد تكلّمنا سويًّا عن الأمر وخطّطنا لحياتنا المُستقبليّة، إلا أنّ أمّي بالتبنّي سمعتنا يومًا وأخبرَت زوجها بالذي ننوي فعله.

بعد ذلك، مُنِعتُ مِن الخروج إلا للذهاب إلى المدرسة ومع مُرافق، ووصَلَ الأمر إلى مَنعي مِن الإجابة على الهاتف أو فتح الباب لأحد. مِن جهة أخرى، لَم يعُد مسموحًا لأخي رؤيتي، وسمعتُ صراخه وأبي بالتبنّي حول الموضوع، وتهديدات مُتبادلة بالضرب أو اللجوء إلى الشرطة. ثمّ سادَ السكوت وعلِمتُ أنّني صرتُ وحيدة في سجني. لَم يكن هناك مِن هواتف خليويّة آنذاك فشعرتُ بانقطاع تام عن الدنيا وعن "نصفيَ الآخر".

وذات يوم، علِمتُ مِن أبوَيّ بالتبَنّي أنّهما اشتكيا على أخي وأنّ الشرطة تبحثُ عنه. إفتعَلتُ شجارًا كبيرًا وتوقّفتُ عن التكلّم معهما إلا لأمور حيويّة. حبَستُ نفسي في غرفتي، وانصبَبتُ على دراستي لأنّ هذا ما أرادَه أخي حتمًا، فهو كان يؤمِن بالتعلّم ونَيل الشهادات.

مرَّت الأشهر والسنوات وصرتُ صبيّة في الثانية والعشرين، ولا خبَر عن يوسف. للحقيقة، تصوّرتُه قابعًا في السجن أو ميّتًا، فلا يُمكن ليوسف ألا يجد طريقة للاتصال بي. كنتُ قد كرهتُ هذَين البغيضَين لِدرجة لا توصَف، لكنّني لَم أكن بشجاعة أخي لِترك المنزل. لحسن حظّي، إطمأنَّ بالهما مِن جانب أخي ولَم يعُد ممنوعًا عليّ الخروج. حصَلتُ على شهادتي في الحقوق وبدأتُ العمَل. كنتُ في تلك الأثناء قد تعرّفتُ في الجامعة إلى شاب رصين ووسيم، وأحبَبنا بعضنا وبدأنا نُخطّط لِمستقبلنا. كنتُ قد وجدتُ فيه وسيلة للخروج مِن ذلك البيت الذي سادَ فيه الحزن والغضب. إضافة إلى ذلك، وضعتُ في حبيبي كلّ الحبّ الذي كنتُ أكنّه ليوسف، وتوقّعتُ منه طبعًا أن يُعطيني الحنان والاهتمام الذي عوّدَني عليه أخي. هل كنتُ سعيدة؟ نعم ولا. فلو عرفتُ فقط ما حلّ بأخي لارتاحَ بالي، حتى لو اقتضى الأمر باكتشاف خبَر موته. كان عليّ أن أعلَم ما حلَّ به!

وذات يوم، رأيتُه. في البدء، لَم أصدّق عَينَيَّ إذ خلتُ أنّني مُخطئة. فذلك الرّجل كان له لحية وشوارب ويرتدي بذّة أنيقة. هو بقيَ واقفًا على حافّة الرصيف المُقابل ينظرُ إليّ بِتمعّن. بعد ذلك، قطَع الطريق ووقَف قبالتي مُبتسمًا. ركضتُ أُعانقُه وأبكي بقوّة صارخةً: "لماذا تركتَني!؟!". نشّفَ يوسف دموعي ورحنا نجلسُ في مقهى حيث روى لي ما حصَلَ له، وأنا استمَعتُ إليه مُمسكة بِيَده لِشدّة خوفي مِن أن أخسره مُجدّدًا:

 

ـ لَم أترككِ يا أختي بل هربتُ إلى الخارج بعدما زارَتني الشرطة. كنتُ سأُسجَن لو بقيتُ أذهبُ لِرؤيتكِ، إذ كنتِ آنذاك قاصرًا وتحت وصاية هذَين الشخصَين. إضافة إلى ذلك، أبونا بالتبنّي يعرفُ رئيس شرطة المدينة شخصيًّا وبإمكانه أذيّتي. كان عليّ الحفاظ على نفسي وحرّيّتي مِن أجلكِ. لِذا، وبعد أن أخبرتُ التاجر الذي أعملُ لدَيه بما يجري لي، بعثَني إلى الخارج حيث له فروع. عملتُ بكّد وجهد، وسرعان ما تقدّمتُ لأصبح مسؤولاً في الفرع ومِن ثمّ أُديره.

 

ـ لكنّني لَم أعُد قاصرًا منذ سنوات، لِما لَم تعُد؟

 

ـ كان عليّ تأمين مُستقبلنا يا أختي، فلا يجوز أن تعيشي بظروف لا تليقُ بصبيّة مثلكِ. كنتُ أعلَم كَم أنّكِ تتعذّبين، إلا أنّه عذاب مؤقّت فستأتين معي حين أعودُ إلى المهجر.

 

ـ حقًّا؟!؟ يا إلهي، ما هذا الخبَر العظيم!

 

قد يهمّكِ أيضاً