لن أكرمك يا أبي!

لن أكرمك يا أبي!

لَم يذرِف والدي دمعة واحدة على زوجته، بل أسرَعَ بالتدابير القانونيّة لمعرفة مقدار ثروتها وكيفيّة توزيعها. كنتُ أنا سأرثُ الحصّة الأكبر، لكنّ ذلك لَم يُزعجه، لأنّني كنتُ لا أزال قاصرًا ولدَيه مُتّسَع مِن الوقت للتصرّف بما لي كوَنه الوصيّ الشرعيّ عليّ.

أحمُدُ ربّي أنّ والدي كان يُصرّ على الحفاظ على مكانتنا الاجتماعيّة، وإلا أنّا مُتأكّدة مِن أنّه كان قد غيَّرَ لي مدرستي الباهظة القسط والتكاليف. فإصراره على الحفاظ على وجوده في طبقة نبذَته واحتقرَته كان، في بعض الأحيان، أقوى مِن حبّه للمال.

بدَّدَ أبي مالي بإتقان، فهو اشترى سيّارات فخمة، وقطع مِن الأراضي ومنازل على البحر والجبل. ولتتويج نمط حياته الجديد، تزوّجَ مِن راقصة كاباريه كان يتردّدُ إليه قبل موت زوجته. فسلوى كانت عشيقته منذ سنوات، وترقَّت إلى درجة زوجة وسيّدة منزل لَم تتصوّر حتى في أحلامها أن تدخل إليه.

لَم أكرَه سلوى، بل أبي. فتلك المرأة كانت مُسلّية للغاية، بسبب قلّة معرفتها بالأصول وبطريقة لبسها وتصرّفاتها. وهي أدخَلت علينا نفحة جديدة. كرهي كلّه ذهَبَ ناحية ذلك الرجل الأنانيّ الذي لَم يتعَب حقًّا يومًا، بل حصَلَ على مراده بفعل خططه الماكرة وجوع روحه. لكنّني لَم أتصوّر أنّه سيصل إلى تجريد ابنته الوحيدة مِن ميراثها مِن أجل ملذّات عابرة ومُقتنيات فانية.

منَعَ والدي سلوى مِن الإنجاب، الأمر الذي أحزنَها إلى أقصى درجة. وحين رأيتُها يومًا وهي تبكي في غرفتها، قلتُ لها:

 

ـ أبي لا يُحبُّكِ... هو لا يُحبّ أحدًا على كلّ الأحوال.

 

ـ وما أدراكِ، لا تزالين مُراهقة ولا تفهمين الحياة.

 

ـ صحيح ذلك، لكنّني أعلمُ أنّه لا يُحبُّني، ومَن لا يُحبُّ ولده لا يُحبُّ أحدًا.

 

نظَرَت سلوى إليّ بِحزن ثمّ تابعَت البكاء.

وبعد أقلّ مِن ستّة أشهر، طلّقَ والدي سلوى لأنّه سئِمَ منها.

عندها طلبتُ منه بجرأة ألا يجلبَ زوجة أخرى إلى البيت، بل أن يفعل ما يشاء خارجه. تفاجأَ، لكنّه قال لي: "أنتِ على حقّ... فأنا لا أحبُّ الارتباط."

عشتُ باقي سنيني مع العاملين في البيت الذين أعطوني المحبّة التي كنتُ بحاجة إليها، فهم كانوا يُحبّون جدَّيَّ وأمّي ويحتقرون والدي. هم كانوا عائلتي وعاملتُهم بالمثل.

وحين جاء اليوم الذي سُمِحَ لي بالحصول على ميراثي، أي عند بلوغي سنّ الرشد القانونيّ، تفاجأتُ بأنّني لا أملكُ شيئًا. وشَرَحَ لي أبي أنّه فعل ما عليه ليُؤمّن لي دراسة جيّدة وطعامًا وملبسًا، وأنّ الباقي يُحسَب أنّه بَدَل أتعاب:

 

ـ أيّ أتعاب؟ لَم أرَكَ تتعَب يومًا في حياتكَ يا أبي.

 

ـ تعبتُ بتربيتكِ لوحدي... لقد ضحَّيتُ بالكثير مِن أجلكِ.

 

قد يهمّكِ أيضاً