لن أكرمك يا أبي!

لن أكرمك يا أبي!

كانت أمّي مِن أجمل النساء وأرقاهنّ، دللها والداها وأعطَياها كلّ ما تمنَّت نفسها، ليس فقط لأنّهما كانا أثرياء وهي ابنتهما الوحيدة، بل لأنّها تستحقُّ الدّلال ويليقُ بها. إلا أنّها أحبَّت رجلاً مِن غير طبقتها الاجتماعيّة لَم يرَ فيها سوى رقم حسابها المصرفيّ. حاوَلَ الجميع الوقوف بوجه زواجهما، لكنّها بقيَت مُصرّة عليه. فأبي كان رجلاً مُحتالاً ووصوليًّا يتمتّع بجاذبيّة لا تُقاوَم ومعرفة واسعة بفنّ الاغراء.

وهكذا تزوّجا، وبعد فترة ليست بطويلة رضيَ جدَّايَ عليهما، وطلبا منهما العَيش معهما في المنزل الكبير الشبيه بالقصور الفخمة التي يحلمُ بها الناس. هناك ولِدتُ وكبرتُ.

تصرَّفَ والدي وكأنّه سيّد المكان، الأمر الذي أزعَجَ جدّي إلى حدّ كبير، لكنّه تحمَّلَ صهره مِن أجل وحيدته التي أحبَّها فوق كلّ شيء. وحين جئتُ إلى الدنيا، صِرتُ محطّ محبّة ودلَع الجميع تمامًا كما حصَلَ لأمّي مِن قبلي.

علاقتي بأبي كانت جيّدة ليس أكثر، فهو بقيَ يشعرُ أنّه غريب بالرغم مِن مُحاولاته الاندماج، وعاشَ بعيدًا عنّا، تارة في العمل الذي أسَّسَه له جدّي، وتارة مع أصدقائه الذين كانوا يُشبهونَه، أي رجال يعيشون مِن تَعَب غيرهم.

أمّا بالنسبة لأمّي، فكانت سعيدة بعد أن حصَلَت على مرادها، أي الزواج مِن الذي تُحبّه، والعَيش حيث ترعرعَت وتربية ابنتها الوحيدة.

لكنّ هذه السعادة لَم تدُم، إذ ماتَ جدّي بسبب ضعف قلبه، ولحقَت به زوجته بعد سنتَين إثر مرض خبيث وفتّاك. وبالطبع ملأ الحزن قلب أمّي، وفرِحَ أبي بأنّه أصبَحَ الآمر الناهي والمُستفيد مِن ثروة أمّي التي لَم تكن ترفضُ له طلبًا.

بعد موت جدَّيَّ، صِرتُ حزينة القلب وشعرتُ بوحدة عميقة، وأدَرتُ اهتمامي على القراءة لأملأ فراغ حياتي كفتاة صغيرة. وسرعان ما تغيّرَت العلاقة بين والدَيَّ، بعد أن وجَدَ أبي أنّه لَم يعُد مُجبرًا على لعب دور الزوج المُحبّ. فأصبح يغيبُ عن البيت كثيرًا، ووصَلَت لأمّي أخبار خياناته العديدة، الأمر الذي حطَّمَ قلبها. وذات يوم، أنهَت والدتي حياتها. وأبشَع ما في الأمر هو أنّني كنتُ التي وجدَتها ميّتة.

وقفتُ مصدومة أمام جثّة أعزّ إنسانة لدَيّ، أحدّقُ بكميّة الدماء التي تُحيطُ بها. ولا يزالُ ذلك المشهد يُرافقُني حتى اليوم، ويا لَيتني أستطيعُ محوه مِن ذاكرتي.

 

قد يهمّكِ أيضاً